حين ثار الشعب التونسي ، خرجت المرءة و الرجل يدا بيد من اجل الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية .لم يكن خروجها غريبا بقدر ماكان حضورها اكثر فعالية ، قدمت نفسها شهيدة و جريحة و رئيسة حزب و اعلامية و عضوة مجلس تأسيسي و مشاركة فاعلة في كتابة الدستور. كما انه لايمكن ان ننفي حضور الحركات النسوية في النضال ضد النظام السابق لمدة غير هينة من تاريخ الدكتاتورية ، و لكن النقطة الفارقة هي ان هذه المكانة تعززت اليوم رغم التخوفات التي لازالت تطرح على الساحة السياسية .
رغم صدور مجموعة من القوانين الاجتماعية في 13 اوت من سنة 1956 تحت اسم " مجلة الاحوال الشخصية" ورغم ما تضمنته من قوانين تعتبر حالة فريدة في وقتها كمنع تعدد الزوجات و جعل الطلاق من مهام المحكمة و القاضي الى جانب قوانين اخرى تعتبر ملزمة في ضمان مساواتها التامة مع الرجل ، الا ان المتأمل في المشهد السياسي عموما في تونس قبل الثورة يرى ان هذه التشريعات بقيت حبرا على ورق. فنجد المرءة ممنوعة من ممارسة حقوق المواطنة عبر التضييق عليها في نشاطها النقابي و السياسي و الحقوقي ، و تعرضها للتعذيب و الاغتصاب داخل السجون. وهو ماعبرت عليه منذ انطلاق الحراك الاجتماعي في 17 ديسمبر 2010 في مدينة سيدي بوزيد حيث تواجدت في الصفوف الامامية في ذاتها اوممثلة لمؤؤساتها النقابية او الحزبية او الجمعياتية . و ومن اول النتائج التي نالتها هي اعتماد مبدء التناصف الى جانب الرجل في القوائم الانتخابية للمجلس التأسيسي . و لكن رغم ذلك لازالت هذه الحركات تعلن تخوفها ليس من الفشل في تحقيق ماتصبو اليه بل من التراجع عن المكاسب التي حققتها.
لايمكن ان تكون لعملية الانتقال الديمقراطي جدوى دون رد الاعتبار للمرءة ودورها الاساسي في المجتمع حتى يتسنى استيعابها في شرايين الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية وهو ماعبرت عليه " جمعية النساء الديمقراطيات في تونس" في نهاية اشغال ندوة ضمت اكثر من اثنا عشر دولة عربية خلال شهر اوت من سنة 2011 تحت عنوان:" وثيقة اعلان تونس : النساء و الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية" اذ تم التنصيص على ضرورة: " إلتزام الدول بإتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة بما فيها التدابير الإيجابية وإعتماد مبدأ المناصفة في الحياة السياسية والعامة ، لضمان تحقيق المساواة الفعلية بين النساء و الرجال اضافة الى دسترة حمايتهن من جميع أشكال العنف الممارس ضدهن وتجريمه سواء وقع ذلك من طرف المؤسسات العامة اوالخاصة او الأفراد في الفضائين العام والخاص. "
وتعتبر الثورة بالنسبة للمرءة التونسية و مثيلتها في العالم العربي فرصة لا فقط للحفاظ على مكتسبات جنتها في الماضي و انما لتحقيق ماتصبو اليه من اجل مجتمع عادل وحر يضمن لهما المساواة التامة و الفعلية الى جانب الرجل. اضافة الى الاهتمام بقضية تكافؤ الفرص مع الرجل و خلق الاطار السياسي و الاجتماعي الذي يمكنها من التواجد في مراكز تنفيذية و قيادية في ظل منظومة قانونية تحترم قيم المواطنة و تعزز مشاركتها في مسيرة التنمية و العدالة الانتقالية . و تعتبر اللحظة تاريخية بالنسبة لها لاختبار نضج تجربتها السياسية و الاجتماعية ومدى قدرتها على استثمارها من اجل مزيد تعزيز مكانتها انطلاقا من التغير الذي تشهده البنية السوسيوثقافية في تونس ، و يتمظهر ذلك انطلاقا من مشاركتها الكمية و النوعية في الانشطة و الفعاليات على اختلافها انواعها كالحراك النسوي الذي تلا الجريمة التي تصدرت اولى عناوين الاسبوع الاول من شهر اكتوبر ، و التي ذهبت ضحيتها فتاة أُغتصبت من قبل عوني شرطة في احدى ضواحي العاصمة. فقد نجحت المرءة في التعبئة و التأطير و السير في مقدمة التظاهرات الميدانية المنددة بالاغتصاب و المدافعة عن كل الحقوق و الحريات فوجدت الحركة النسوية فرصتها للتذكير بمطالبها كشريكة فعلية في الثورة و في البناء و في عملية الانتقال الديمقراطي عموما.
لئن حازت النساء في تونس على تسع واربعين مقعدا في المجلس التأسيسي من جملة مائتين و سبعة عشر و على حقيبتين وزاريتين فقط فان هذه النسبة الضئيلة لا تعكس ابدا حضورها ، فهي لازالت جزء لا يتجزء من الحراك الاجتماعي و النشاط السياسي و لها تأثيرها الايجابي على الرئي العام و على اشغال المجلس التأسيسي للتأكيد على حقها المشروع في دسترة حقوقها بعيدا عن الميولات و التجاذبات الايديولوجية . ومن اخر الانتصارات التي تُحسب للنساء في تونس الاقتراح الذي تقدمت به "هيئة التنسيق والصياغة"داخل المجلس التأسيسي ، المكلفة بمراجعة ما يتم تضمينه في الدستور من مشاريع قوانين وهي أن ينص الفصل 28 من باب الحقوق والحريات على "مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، والمحافظة على تكافؤ الفرص، مع اعتماد معيار الكفاءة"، إضافة إلى "تجريم العنف ضد المرأة".
رغم ارتباط التطور المسجل في المجتمع التونسي في مستوى تطلعاته المستقبلية من اجل بناء دولة حديثة و ديمقراطية بتطور تطلعات الحركات النسوية عبر تطور مؤسساتها المدنية او مراكز البحوث ، فان الاشكاليات و الاسئلة لازالت تُطرح وهو ماعبرت عنه الدكتورة سكينة بوراوي بقولها :" اين يكمن جدار الصد؟ هل في الذهنية او الانظمة او الاحزاب او المجتمع المدني، او لعل مفاتيحه بيد المرءة ذاتها ؟".


09:34

0 commentaires:
Enregistrer un commentaire