في البدء كانت الاحواض الرومانيّة ثمّ » وادي السقائين و الوادي الكبير و الميضاة » و
الان » وادي الباي » ، مسابح احتضنت نقائش لنبتون إله الماء الروماني وللحوريّات اللإغريقيّة،
هندسة تؤرّخ للملك » تراجون » Trajan (97-118 après J.-C.) و للقرن الثاني ميلادي ، لم تكن اعتباطيّة او
وليدة صدفة ما بل هي وليدة نظام بلدي نموذجي في عصره يسهر عليه قضاة كقرطاج ، كان ذلك
في مدينة نعتها الادريسي احد مؤسسي علم الجغرافيا بقوله » مدينة قفصة مركز و البلاد بها دائرة » .
ذكريات مدرج الجامعة راودته حين
كان يتأمّل اللوحات الجدارية التي تحتضن اللّقى
الاثريّة لمتحف المدينة ، اسئلة تفرض نفسها : ماهذه البعثرة ؟و هذه اللامبالاة ؟و هذا
الازدراء بتاريخ انساني باكمله؟ وعن أي مؤسسة نتحدث ؟ماذا سنخبر اطفالنا التلاميذ ؟ماذا
سنقدم لسائح متعطّش لاكتشاف الكنوز الاثرية ؟ عصفت بذهنه الاسئلة ، غادر المكان ، امامه
كان الحوض الروماني ، توقّف و ردد « « يا
نخلة وادي الباي، ردّي خبر النجوم ، هي تعوم في الضّي، و نا في العرق نعوم ».
ازدحمت قاعة الاجتماعات بمقرّ PASC بمكتبه الجهوي الواقع في حي الشباب وهو برنامج
دعم المجتمع المدني ، ثلّة من الجمعيات لبّت
الدعوة و حضرت لنقاش قضيّة تزويد الاحواض الرومانيّة بالمياه، و مدى تقدّم سير اشغال
هذا المشروع الذي تسهر عليه شركة البيئة. استعرض النقاش اوجه عدّة و مواقف مختلفة اتسمت
كلّها بتقديم مقترحات عمليّة من اجل اعادة الحياة للمعلم الاثري و اعادة الفضاء الترفيهي الى نشاطه ، لم يكن العنوان » تمسّكوا بالماء يا يا ابناء اغنيتي » في بعد وجدانيّ
فقط بل تعدّاه الى مؤشّر نضج بلغته عائلة المجتمع
المدني بمدينة قفصة عبر التفافها ليس على المواقف والشعارات بل الى الغوص في اعماق
المشكلات و تحليلها و التنسيق بين الفاعلين فيها و تقديم المقترحات و الحلول، ومرحلة
العبور الى الملاحظة و المتابعة للشأن المحليّ و الاجتماعي من طرف نسيج مؤسساتي مدني
حديث النشأة يعتبر الخطوة الاولى نحو التأسيس
لمواطنة فاعلة و ايجابيّة.
»
نهج سيدي خليفة ، اتعرفه في ذاك الشارع هناك تقام البناءات بالاسمنت المسلّح ، الم
تكن هناك منازل عتيقة ، تمّ هدمها ام تساقطت بفعل الزّمن ، الم تُرمَّم ؟ «
» انت لم تر شيئا ، المدينة اصبحت في خبر كان ، منازل
آيلة للسقوط ، و بناءات عشوائية هنا و هناك ، السكان لاحول لهم و لا قوّة هناك من فرّط
في منزله و هناك من اعاد بناؤه بما توفّر له من مال و فكر»
كان يستمع الى حوار يدور في مقهى » وادي البي » على هامش احد مباريات كأس العالم
، كانت طاولات المقهى تحيط بالحوض الروماني ، العدد غفير ، وكانت شاشة العرض مرسومة
على الجدار القبليّ . سافر بخياله بعيدا فرأى شباب المدينة يتقاذفون في المياه و ينعشون
اجسادهم التي كاذت تذيبها درجة الحرارة التي تجاوزت الاربعين ، على ابواب المعلم الاثري
كانت هناك » حوانيت » تبيع منتوجات حرفيّة
لاهالي الحيّ السكنيّ و كانت هناك مكتبة تزخر بكتب الرحّالة و المؤرّخين و علماء الاثار
، والمقهى فضاء العائلات للتلاقي و التحاور و مغادرة سجن البيت و حافلات السيّاح تركن في الفضاء الخارجي للمعلم
الاثريّ .
فجأة تعالت الاصوات » الهدف الخامس للبرازيل » ، عاد الى رشده و كان الحوار غير عابئ بمايدور
حوله ، طلب الاذن بالكلام » هناك سؤال بسيط
يطرح نفسه ، هذه الطاولة و هذا النقاش لا يبعد الا حوالي ثلاثة امتار عن الادارة الجهوية
للمعهد الوطني للتراث ، اينها من هذا ؟ » ،
طرح سؤاله و في مخيلته حالة الاهمال التي يعانيها المتحف الاثري بالمدينة المحاذي للجهة
الشمالية لساحة المسبح الروماني. كان المتحف مقسّم حسب الازمنة ، حين تلجه ستجد نفسك
في بهو مخصّص لاثار ماقبل التاريخ ، جزء للحضارة الاتيريّة و الموستيريّة و الجزء الاكبر
للحضارة القبصيّة التي تنفرد بها جغرافيا قفصة ، كانت اللقى الاثرية ادوات من حجر الصوّان
كالسكّين و الكاشط و رؤوس السّهام معروضة على واجهات بلوريّة ملتصقة بالجدران و اما باقي البناء الهندسي فمخصّص للحقبة الرومانية
و العربية الاسلامية او ما يصطلح عليه بالتاريخ القديم و التاريخ الوسيط . قد يسترعي
انتباه المشاهد اهميّة اللقى الاثرية و لكن مايشد الانتباه هو انزياح الادوات الاثرية
من اماكنها و اختلاطها ببعضها البعض و تركها على ماهيّ عليه ، ليس هذا فقط بل قدم اللوحات
التعريفية الي تصاحب القطع الاثرية و اندثار جزء من الجمل و الاحرف ، اضافة وجود لوحات
بلورية فارغة لاشيء فيها ، انّك في متحف ابكم و اصمّ غير عابئ بالكنوز التي يحتويه
و لا يريد الافصاح و التعريف بها و لا يحبّذ صيانتها ، كأنّه يرفع شعار « دعوا الاثار
تموت بسلام » . و في هذا الاطار لا يمكن الا الاستشهاد بمجلّة حماية التراث في العنوان
الاوّل تحت باب الاحكام العامّة حيث ينصّ الفصل السادس على: » تحدث لجنة لدى الوزير
المكلف بالتراث تسمى « اللجنة الوطنية للتراث » وتكلف بإبداء رأيها وتقدم إليه مقترحاتها
في المواضيع التالية: حماية وترتيب المعالم
التاريخية، حماية المنقولات الأثرية، بعث المناطق المصونة، حماية المواقع الثقافية. كما تتولى إبداء الرأي
في البرامج والمشاريع والمخططات الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية التي يمكن للوزير
أن يعرضها على أنظارها. يتم ضبط تركيب اللجنة وتنظيم سير أعمالها بأمر. »(1)
لم يكن متحف قفصة الا الحلقة الاضعف في مجال اثريّ
بدت عليه ملامح الاندثار و الانقراض بدءا بالمدينة العتيقة التي تؤرّخ للعهود الوسيطة
و الحديثة و التي لا نعلم ان كانت مسجّلة كموقع لابدّ من حمايته او لا و حتّى ان لم
يتمّ ضمّها للمشهد الاثري الانساني فهي تتطلّب الحماية و الرعاية و التدخّل الاستعجاليّ
ترميما و دراسة ، و صولا الى موقع » الترميل » و
» الاحواض الرومانيّة » و » الجامع الكبير » و » البرج » و هي التي باتت بلا عنوان لا اثريّ انساني
و لا سياحيّ فلكلوريّ و لا ثقافي تاريخيّ و صولا الى اثار ماقبل التاريخ و تحديدا الحضارة
القبصيّة و جغرافيّا » الرماديّة » حتى اللافتة
التي تشير اليها فُقدت فبقيت يتيمة المكان في حي الدوالي ، ممنوعة من الزيارة مستثناة من الصيانة و الرعاية .
لم يكن يعلم ان التلوّث و التهميش الاجتماعي هما
العناوين الوحيدة لقفصة فتراثها الانساني يحتضر
كأنّ » بوتلّيس » يبرك فوقه و يعيق انفاسه ، فيصرخ استغاثة و لكنّ
لا حياة لمن تنادي.
___________________
(1) قانون عدد 35 لسنة 1994 مؤرخ
في 24 فيفري 1994 يتعلق بإصدار مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية. تمّ استبدال عبارة » مصانة
» بمصونة » في هذا الفصل حسب ما يمليه المرسوم عدد 43 لسنة 2011 مؤرخ في 25
ماي 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام مجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية.
صور تصف الوضع المتردّي الذي تعيشه اثار مدينة قفصة/تونس


17:50


0 commentaires:
Enregistrer un commentaire