حتى نفهم اي معنى للحق في حرية الضمير



حرية الضميرفي الدساتير المقارنة
تمثل حرية الضمير أو الوجدان واحدة من الحريات الفردية الأساسية وحقا جوهريا من حقوق الإنسان. وتكمن أهميتها في أنها، بحكم طبيعتها ومدلولها ومؤداها، شرط وجوب للوجود الإنساني الحق، أي للتحقق الكامل للفرد داخل مجتمع ديمقراطي صائن لكرامة الإنسان، وقائم على الاحترام الكامل والممتد في الزمان والمكان لقيم الحرية والمساواة والعدل. ومع ذلك، وربما بسبب ذلك، فإن إقرارها في الدساتير والقوانين، والاعتراف للفرد بحق التمتع بها وممارستها في كامل أبعادها ما زالا يثيران الكثير من الجدل، ويُواجَهان ببعض التردد والممانعة المفضيين أحيانا إلى نوع من التناقض أو إلى الاعتراف المقيد أو الملتبس. وترجع الممانعة في إقرار هذه الحرية، إلى حد كبير، إلى اتصالها الوثيق بالتفكير والدين.
ولئن كان من المهم، من ثمة، الوقوف عند أهمية دسترة حرية الضمير من خلال دراسة مقارنة لعدد من الدساتير وسياقاتها وتطبيقاتها القضائية، فإن من الضروري، قبل ذلك، تحديد ماهية حرية الضمير والتطرق لمرجعيتها المعيارية الكونية.
I ـ ماهية حرية الضمير:  
تدل حرية الضمير على حرية الفرد في اختيار القيم التي تحدد علاقته بالوجود وبالحياة، وقدرته على تجسيدها باستقلال نسبي عن المجتمع. وما دام الدين من الأبعاد الأساسية لعلاقة الفرد بالوجود، كما أنه، في ذات الوقت، مظهر من مظاهر الحياة في المجتمع، فإن هذه الحرية غالبا ما تقرن بالحرية الدينية أو تماهى معها كما لو كان الأمر متعلقا بمترادفين، وتطرح من زاوية الحدود الفاصلة بين نطاق الخيار الفردي وحدود الإلزام الجمعي. إنها حق المرء في أن يتملك ذهنه، كما جسده، يتصرف فيه كما يشاء ويفكر به كما يريد.
إن حرية الضمير تقع في منتصف الطريق بين حرية التفكير وحرية الدين. فحرية التفكير تعطي للفرد، حسب جون بوبيرو Jean Baubérot[1]، الأدوات الفكرية التي تسمح له بأن يُعمِلَ ضميره وأن ينتقي ويمارس، بحرية وتميز، اختياراته الوجدانية والدينية وقناعاته. وحرية الضمير التي تومئ إلى الحياة المعيارية والقيمية الداخلية للفرد تتيح له أن يبلور قناعاته، بما فيها القناعات الدينية والإيمان من عدمه، بكل حرية واستقلال، وتسمح له، بعبارة أخرى، أن يبدل دينه أو يعتنق دينا آخر، أو أن لا يأخذ بدين من الأديان، دون أن يكون عرضة لأي حساب أو عقاب أو إقصاء، ودون أن ينتقص ذلك من مواطنته. ومعنى ذلك أن حرية الضمير تقوم أساسا في النهاية على الفصل بين المواطنة والإيمان.
وتكمن أهمية حرية الضمير في أنها الشرط الضروري للاستقلال الأخلاقي للفرد ومنفذه الأساسي إلى الحرية[2]. والهدف المتوخى من حرية الضمير، شأنها شأن حرية التفكير وحرية الدين، هو حماية التصورات التي قد يحملها كل واحد عن الحياة والمجتمع والمصير. فهذه الحريات الثلاثة المتجاورة، -إن لم نقل متداخلة-، دون أن تكون متماهية[3]، هي التي تعطي للفرد الحق في ألا يفكر مثل الأغلبية، أو ألا تكون له نفس اليقينيات أو القناعات أو المعتقدات. إنها تتحد في موضوعها وموطنها من حيث كونها بمثابة "حريات للذهن"[4].
وتجد حرية الضمير سندها في كون الضمير مجالا فرديا خاصا لا يمكن السيطرة عليه، وكل محاولة للسيطرة عليه أو التحكم فيه لابد أن تفضي بشكل أو بآخر إلى العنف. فالذهن هو مجال الحرية بامتياز إن جاز القول. وممن أبدعوا في التعبير عن هذا الأمر سبينوزا إذ يقول: "لو كان من السهل السيطرة على الأذهان مثلما يمكن السيطرة على الألسنة، لما وجدت أية حكومة نفسها في خطر، ولما احتاجت أية سلطة لاستعمال العنف، ولعاش كل فرد وفقا لهوى الحكام، ولما أصدر حكما على حق أو باطل، على عدل أو ظلم إلا وفقا لمشيئتهم. ولكن الأمور لا تجري على هذا النحو، (...) لأن ذهن الإنسان لا يمكن أن يقع تحت سيطرة أي إنسان آخر، إذ لا يمكن أن يخول أحد بإرادته أو رغما عنه إلى أي إنسان حقه الطبيعي أو قدرته على التفكير وعلى الحكم الحر في كل شيء. وعلى ذلك فإن سلطة تدعي أنها تسيطر على الأذهان إنما توصف بالعنف، كما تبدو السيادة الحاكمة ظالمة لرعاياها ومغتصبة لحقوقهم عندما تحاول أن تفرض  على كل منهم ما يتعين عليه قبوله على أنه حق، وما يتعين عليه رفضه على أنه باطل، وأن يفرض عليه المعتقدات التي تحثه على تقوى الله. ذلك لأن هذه الأمور تعد حقا خالصا بكل فرد، لا يمكن لأحد ـ إن شاء ـ أن يسلبه إياه..."[5]. ويضيف توضيحا لأهمية إقرار حرية من قبيل حرية الضمير باعتبارها من الأسس التي تقوم عليها الدولة ومن الغايات والحوافز التي تشد بنيانها أن "الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة، أو إرهاب الناس، أو جعلهم يقعون تحت نير الآخرين، بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان، أي يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير. وأكرر القول بأن الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الكائنات العاقلة إلى حيوانات أو آلات صماء، بل المقصود منها هو إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم لكي تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخداما حرا دون إشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع وبحيث يتعاملون معا دون ظلم أو إجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة."[6]

II ـ حرية الضمير في الصكوك الدولية لحقوق الإنسان
اهتمت الصكوك الدولية لحقوق الإنسان بحرية الضمير وأولتها مكانة متميزة ضمن الحقوق والحريات، إذ تنص المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[7] على أن : "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين" وتضيف توضيحا لمضمون هذا الحق، أنه يشمل "حرية [الشخص في] تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع جماعة". فالإعلان يدرج حرية الضمير في المنزلة بين منزلتي حرية التفكير وحرية الدين اعتبارا للارتباط الوثيق بين الحريات الثلاثة ودرءا لكل التباس أو اختزال وتوسيعا لنطاق هذه الحريات.
وفي سياق التأكيد على الحق في حرية الضمير وترسيخه، تنص المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[8] على أن "لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين." وتحدد الأبعاد الأربعة الأساسية التي ينطوي عليها هذا الحق وهي:
أـ حرية المرء في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره؛
ب ـ حريته في إظهار دينه أو معتقده، بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة؛
ج ـ عدم جواز إخضاع أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في أن يدين بأي دين أو معتقد يختاره؛
د ـ إمكانية إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده، ولكن في حدود القيود التي يفرضها القانون والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
وتؤكد المادة 19 من العهد انسجاما مع هذه المقتضيات على أن لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء التي يرتئيها دون أية مضايقة.
وتوضح الملاحظة العامة للجنة المعنية بحقوق الإنسان على المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[9] أن المقصود بالدين أو المعتقد هو "معتقدات في وجود إله، أو في عدم وجوده أو معتقدات ملحدة، بجانب الحق في عدم ممارسة أي دين أو معتقد."
وترسيخا لنفس المسار، فقد حرص المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المنعقد بطهران ما بين 29 أبريل و13 ماي 1968 على التأكيد على أن من واجبات الدول احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية دونما تمييز لأي سبب، وأن الهدف الرئيس للأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان هو تمتع كل إنسان بأقصى الحرية والكرامة، وأن تحقيق هذا الهدف يقتضي أن تمنح قوانين كل بلد لكل فرد، بصرف النظر عن عنصره أو لغته أو دينه أو معتقده السياسي، حرية التعبير والإعلام والضمير والدين، بقدر ما حرص على حث جميع الدول على الولاء الكلي للمبادئ المجسدة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعلى مضاعفة جهودها من أجل توفير حياة تتفق مع الحرية والكرامة وتفضي إلى الرفاهة الجسدية والعقلية والاجتماعية والروحية للبشرية جمعاء[10].
ومع أن الإعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقد[11] لا يكتسي أية صبغة إلزامية، فإنه يعتبر أهم تقنين دولي معاصر لمبدأ حرية الضمير والديانة أو المعتقد، من حيث كونه يقدم في المادة الأولى منه تعريفا واضحا لحرية الفكر والوجدان والدين أو المعتقد المنبثقة من حق الإنسان في اعتناق ما شاء من أفكار ومعتقدات ودين وفي ممارستها والجهر بها، ويحدد بكيفية دقيقة نطاقها وفقا لما جاء في المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويعتبر في المادة الثالثة منه التمييز على أساس الدين أو المعتقد إهانة لكرامة الإنسان وإنكارا لمبادئ الأمم المتحدة، مضيفا أنه مدان بوصفه انتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
غير أن عدم إلزامية الإعلان لم يمنع بعض الدول من تسجيل تحفظاتها عليه، إما لأنه لم يأخذ المعتقدات الملحدة بعين الاعتبار (رومانيا، بولونيا، بلغاريا، تشيكوسلوفاكيا...)، أو لأنه يتعارض في بعض بنوده مع قوانينها الداخلية (رومانيا، سوريا، الاتحاد السوفياتي السابق...)، أو لأنه يخالف الشريعة الإسلامية (العراق نيابة عن منظمة المؤتمر الإسلامي)، الشيء الذي يؤكد حساسية بعض الدول، التوتاليتارية و/أو الثيوقراطية إلى هذا الحد أو ذاك، تجاه موضوع حرية التفكير والضمير والمعتقد والدين، ويجلو، في ذات الآن، الحاجة إلى اتفاقية دولية ملزمة بخصوص حرية التفكير والضمير والدين أو المعتقد.
III ـ حرية الضمير في الدساتير:
نظرا للأهمية المتزايدة للحقوق والحريات في الأزمنة الحديثة وملحاحية إقرارها وضمانها وتزايد الوعي والمطالبة المجتمعيين بها، وتنامي الالتزامات الدولتية المتصلة بها، فإن الحقوق الأساسية للأفراد أصبحت مكونا أساسيا من مكونات المتن الدستوري، بل باتت تحظى بالصدارة داخل الدساتير، الشيء الذي يضفي عليها، على المستوى النظري على الأقل، طابعا من الثبات والقوة والسمو، ويجعل آليات تعديلها أكثر جمودا وصعوبة من آليات تعديل المقتضيات التقنية الأخرى، ويفرض انسجام جميع القوانين معها. 
   وإذا كانت الغالبية من الحقوق لا يثير إقرارها في النص الدستوري أي إشكال على العموم، فإن الحق في حرية الضمير يجد مكانه بصعوبة، أو لا يجدها بالمرة بين المقتضيات المتعلقة بالحقوق والحريات في دساتير الدول التي تبني شرعيتها، إن جزئيا أو كليا، على أساس ديني، والدول التسلطية ذات الخلفية الإيديولوجية التي تنبذ التعددية والاختلاف. معنى ذلك أن الحق في حرية الضمير يقع في مفصلين حاسمين ومتداخلين هما مفصل  العلاقة بين الدين والدولة، ومفصل العلاقة بين الفرد والأمة، ويبقى إقراره بالتالي رهينا إلى حد كبير بطبيعة هاتين العلاقتين.
وعلى هذا النحو، فإن تعامل الدساتير مع مبدأ حرية الضمير، وبالتبعية مع حرية التفكير وحرية الدين المتلازمتين معها، يختلف باختلاف السياقات والشروط التاريخية التي وضعت فيها هذه الدساتير والتصورات التي تحكمت في صياغتها والاختيارات الاستراتيجية لواضعيها.
اللائكية الصريحة وحرية الضمير: فرنسا والبرتغال وتركيا...
إن إقرار حرية الضمير في دساتير بعض الدول يأتي نتيجة حتمية لطبيعتها اللائكية المعلنة، باعتبار فصل الدين عن الدولة ضمانة لحرية الضمير والاعتقاد، وللمساواة القانونية بين جميع الآراء الدينية والسياسية أو الفلسفية، في حين تقر دول أخرى هذا المبدأ دون أية إشارة إلى طبيعتها اللائكية وبصرف النظر عن الديانة السائدة فيها.
وتعتبر فرنسا والبرتغال الدولتان الأوربيتان الوحيدتان اللتان تعلنان طبيعتهما اللائكية في دستورهما باعتبارها الحاضنة الطبيعية لمبدأ حرية الضمير. فالدستور الفرنسي[12] يقرر بصريح العبارة في المادة الأولى منه على أن " فرنسا جمهورية غير قابلة للتجزئة، لائكية، ديمقراطية واجتماعية. تًؤَمن المساواة أمام القانون لجميع المواطنين، دونما تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الدين، وتحترم جميع المعتقدات"[13]. ولئن كان الدستور البرتغالي[14] لا يستعمل كلمة اللائكية في سياق الحديث عن طبيعة الجمهورية، فإنه يوظف عبارة "فصل" الدين عن الدولة ويبرز عناصر هذا الفصل، في المادة 41 منه الحاملة لعنوان "حرية الضمير والدين والعبادة" والتي تنص على أن "الكنائس والجماعات الدينية منفصلة عن الدولة، ويمكنها أن تنظم نفسها بحرية وأن تمارس وظائفها وتنظم عبادتها"[15]، ويضيف أن "حرية تعليم الدين في إطار كل ديانة مضمون، وكذلك استعمالها لوسائل إعلامها الخاصة في ممارسة أنشطتها"[16].
وتتميز الجمهورية التركية بأنها أدرجت طبيعتها العلمانية ضمن دستورها منذ سنة 1937. وتكون بذلك من أبرز الدول في العالم التي لا يعد فيها الإسلام دينا للدولة مع أن الغالبية العظمى من سكانها مسلمون. وتنص المادة الثانية من الدستور التركي الحالي[17] ، والمدرجة ضمن عنوان "خصائص الجمهورية" على أن " تركيا دولة قانون ديمقراطية، لائكية واجتماعية". وقد جعل مصطفى كمال أتاتورك من اللائكية أحد المبادئ المؤسسة للجمهورية التركية التي قامت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، قبل أن يدرج النص الصريح على الطبيعة اللائكية للدولة في الدستور. وتعزيزا للائكية الدولة، فإن تركيا تحظر تأسيس المنظمات والأحزاب التي تدعو إلى إقامة مجتمع إسلامي أو تقوم بأنشطة مناهضة للائكية.
ولا يكتفي الدستور التركي بالنص على الطبيعة اللائكية للدولة، بل يعمد إلى  النص الصريح على تمتع كل واحد بحرية الضمير وحرية الاعتقاد (المادة 24) وعلى حرية ممارسة العبادات والصلوات والطقوس والاحتفالات الدينية ما لم تكن منافية لمقتضيات المادة 14 من الدستور، التي تنص على أنه لا يمكن ممارسة أي حق من الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور بغاية المس بوحدة الدولة غير القابلة للتجزئة من حيث التراب والأمة، أو تعريض الدولة والجمهورية التركيتين للخطر، أو القضاء على الحقوق والحريات الأساسية ، أو إخضاع تسيير الدولة لشخص أو مجموعة من الأشخاص أو فرض هيمنة طبقة اجتماعية على الطبقات الاجتماعية الأخرى، أو إثارة التمييز على أساس اللغة أو العرق أو الدين أو الطائفة، أو بناء نظام دولة قائم على هذه التصورات والأفكار بطريقة أخرى مهما كان شكلها. ولرفع الالتباس عن هذه الشروط التي تبدو تقويضا لمستلزمات الحقوق والحريات المنصوص عليها، تنص الفقرة الأخيرة من نفس المادة على عدم جواز تأويل أي مقتضى من مقتضيات الدستور على أنه يخول الحق في القيام بأنشطة هادفة إلى انتهاك الحقوق والحريات المقررة في الدستور. وبخصوص حماية الحق في حرية الضمير حتى في الظروف الاستثنائية تضيف المادة 15 المتعلقة بإمكانية تعليق ممارسة الحقوق والحريات الفردية جزئيا أو كليا، ضمن الحدود التي تفرضها الوضعية وشريطة عدم انتهاك الالتزامات الناشئة عن القانون الدولي، في حال الحرب والتعبئة العامة وحالة الحصار أو الطوارئ، أنه لا يمكن، بأي حال من الأحوال، المس بحق الفرد في الحياة ولا بالحق في السلامة البدنية والروحية ولا في حرية الدين والضمير والتفكير ولا بالقاعدة التي تمنع إكراه الشخص على الكشف عن قناعاته، أو محاسبته أو اتهامه على أساسها.
ويكرس المجلس الدستوري من خلال اجتهاداته نفس الاتجاه الذي أقره الدستور، إذ يحدد اللائكية على أنها بمثابة شكل حياة متحضر، يمثل أساس الحرية والديمقراطية والاستقلال والسيادة الوطنية والمثل الأعلى الإنساني الذي يسمح بتجاوز الشعارات القروسطية لفائدة سمو العقل والعلم المستنير... فالنظام اللائكي، حسب المجلس الدستوري، يحرر الدين من التسيس، ويبوئه مكانة صحيحة ومشرفة في ضمير المواطن[18].
وليست تركيا هي الدولة الوحيدة التي تعلن تبنيها للائكية مع أن غالبية سكانها، أو جزءا هاما منهم، مسلمون؛ فالعديد من الدول الإفريقية ذات الساكنة المسلمة المرتفعة تختار اللائكية طبيعة لها وتدرج ضمنها مبدأ حرية الضمير، مثل النيجر التي يجعل دستورها[19]، في الفصل الرابع منه، من الفصل بين الدين والدولة مبدأ أساسيا قبل أن ينص في المادة التاسعة على أنه لا يمكن لأي دين أو عقيدة الاستئثار بالسلطة السياسية أو التدخل في شؤون الدولة، وفي المادة الرابعة والعشرين على أن لكل شخص الحق في حرية التفكير والرأي والتعبير والضمير والعبادة، علما بأن 90 % من سكان البلاد مسلمون. وكذلك الشأن بالنسبة للسنغال التي يبلغ مسلموها نسبة 85 % والتي تقر، بالرغم من ذلك، في المادة الأولى من دستورها[20] أن "جمهورية السنغال لائكية"، وأنها "تؤمن مساواة جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الجنس أو الدين"، وتنص في المادة الثامنة منه على أنها تحترم الحريات الدينية. وإذا كانت نسبة المسلمين في بوركينا فاسو تقدر ب 43% فإن دستورها الصادر سنة 1991 لا يقيم أية علاقة بين الدين والدولة، كما أنه ينص بقوة في المادة السابعة على حرية الإيمان وعدم الإيمان، والضمير والرأي الديني.
وأسوة بدستور بوركينا فاسو، ينص الدستور الكاميروني[21] بصريح العبارة في ديباجته على أن الكاميرون دولة لائكية وعلى أن حياد الدولة واستقلاليتها إزاء جميع الأديان مضمونان ويضيف أن حرية العقيدة وحرية ممارستها مضمونتان، كما يؤكد دستور غامبيا[22] أن "غامبيا جمهورية علمانية ذات سيادة". أما دستور مالي[23] فيعلن في ديباجته التزام الشعب المالي "بالدفاع عن ... لائكية الدولة"، قبل أن ينص في المادة الرابعة منه على أن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين والعقيدة والرأي والتعبير والإبداع في نطاق احترام القانون". وبالمثل، فإن دستور التشاد[24] ينص في المادة الأولى أن التشاد "جمهورية ذات سيادة، مستقلة، لائكية، اجتماعية، واحدة وغير قابلة للتجزئة، قائمة على مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون والعدل." ويقر في المادة 27 حرية الضمير والدين التي لا يمكن أن يحد منها حسب الفقرة الثانية من نفس المادة سوى حريات الآخرين وحقوقهم وواجب حماية النظام العام والأخلاق الحميدة. ويقرر دستور غينيا بيساو[25] في المادة الأولى أن غينيا بيساو جمهورية لائكية ثم ينص في المادة 44 على حرية الدين.     



حرية الضمير شرط لمعالجة إشكالية التعدد الديني: التجربة الهندية
تتميز التجربة الهندية في مجال تبني مبدأ حرية الضمير ودسترته بأهمية السياق التاريخي ووضعية الدين[26] والممارسة الدينية ونفوذ الطوائف الدينية. فالدين يحضر بقوة في جميع مناحي الحياة تقريبا، والطوائف الدينية تلعب أدوارا اقتصادية واجتماعية وتتمتع بنفوذ سياسي. من ثم، فإن الحرية الدينية والقيود الممكن، أو الواجب، فرضها عليها من قبل الدولة، في إطار سعيها إلى تحقيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية، كانت من بين أهم القضايا التي طُرحت على الجمعية التأسيسية للهند. وبما أن حزب المؤتمر Congress Party  كان مهيمنا على هذه اللجنة، باعتباره الحزب المشرف على تكوين اتحاد الهند المستقلة بعد انتقال السلطة من الإدارة البريطانية سنة 1947، وكان من بين أهدافه الأساسية تحقيق برنامج من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما كان من شأن  هذه الإصلاحات أن تصطدم بعوائق بعض التقاليد الدينية، المتصلة أساسا بنظام الطوائف، التي تعتبر بطبيعتها متنافية مع مستلزمات تحسين مستوى عيش الشعب الهندي، فقد طغى على اللجنة هاجس إقامة التوازن بين الحرية الدينية التقليدية وبين القيود الواجب فرضها عليها. يصرح بهذا الخصوص الدكتور بيم راو أمبيدكار Ambedkar Bhim Rao (1891- 1956)، رئيس لجنة التحرير داخل اللجنة التأسيسية وصاحب دراسة تحليلية سوسيولوجية لنظام الطوائف، أن التصورات الدينية هي من الانتشار في الهند بحيث تشمل كل مظهر من مظاهر الحياة، إذ أنه لا يوجد في البلاد شيء لا يرتبط، بشكل أو بآخر، بالدين. ويضيف أنه لا يفهم لماذا يتعين على الدين أن يراقب جميع مجالات الحياة على حساب اختصاص السلطة التشريعية[27]. لقد وعت اللجنة أن الحق الشخصي في ممارسة الدين، بالشكل الذي يمارس به في الهند، يضع المجتمع في مأزق، يكمن المخرج منه في اعتبار الهدف المتوخى من الإصلاحات هو تحويل المجتمع الهندي دون إضعاف القوة الداخلية للدين.     
وبالفعل فقد جسد الدستور[28] نوايا اللجنة ومسعاها في المادتين 25 و26 منه، وتضمن من خلالهما اجتهادا قائما على التمييز بين الحرية الدينية الفردية (المادة 25) والحرية الدينية الجماعية أي نطاق استقلال التنظيمات الدينية (المادة 26)، وعلى تحديد القيود التي تمارس في نطاقها هاتان الحريتان. أما المواد 15[29] و16 و29 فقد أدخلت ما يمكن تسميته بالتمييز الحمائي لفائدة الطوائف المتأخرة. وتندرج هذه المواد جميعا ضمن الفرع الثاني من الدستور والذي يتناول الحقوق الأساسية للمواطن (وأحيانا للفرد بصفة عامة). وفي المقابل، فإن الفرع الثالث من الدستور ينص على واجبات الدولة في مضمار تحقيق برنامج الإصلاحات.
ففي سياق هذا التشخيص للواقع الديني، وتركيبته، ولآفاق الإصلاح وعوائقه، وتصور الدولة لدورها وواجباتها، يندرج إقرار الدستور الهندي لمبدأ حرية الضمير. وعلى هذا النحو، فإن المادة 25 تنص على أن " "لكل شخص حق متساو في حرية الضمير وفي حق   المجاهرة بدينه وممارسته ونشره بحرية"، لكن مع الحرص على القول إن هذا الحق المزدوج يمارس بشرط الحفاظ على النظام العام والأخلاق العامة والصحة العامة ومع مراعاة المقتضيات الأخرى من الدستور خاصة منها ما يتصل بالحقوق الأساسية للمواطن. وترتيبا على هذا الشرط، فإن الفقرة الثانية من المادة 25 تخول للدولة حق مراقبة الأنشطة الاقتصادية والمالية والسياسية ذات الصلة بالممارسات الدينية.
والجدير بالإشارة أن واضعي الدستور الهندي قد استلهموا إلى حد كبير في هذا الباب الدستور الأمريكي الذي ينص منذ التعديل الأول على التمييز بين الحرية الدينية الفردية والحرية الدينية الجماعية.
وإذا كان البرلمان، شأنه شأن الهيئات التشريعية لدول الاتحاد الهندي، يشرع في مختلف مجالات الإصلاح، فإن دستورية هذه التشريعات تفحص من لدن المحكمة الأعلى، أو المحاكم العليا، بمبادرة من كل شخص يطالب بالحماية القضائية إزاء تدخل الدولة في مجال الحقوق الأساسية، بما فيها الحرية الدينية. فدور القضاء أساسي في تحقيق التوازن الدستوري بين الحرية الدينية وبرنامج الإصلاحات الذي تبلوره الدولة.
يتضح من ذلك، أن الضمانة الدستورية للحق في حرية الضمير والمعتقد، تميز بين حرية الضمير والاعتقاد، وحرية الممارسة الدينية، بما فيها العبادات، وتخضعهما معا للقيود التي تفرضها الدولة، كما تخضع تدخل الدولة لمراقبة القضاء. ولئن كان تدخل الدولة في مجال الممارسة الدينية مقبولا نسبيا بالنظر إلى اتصال هذه الممارسة في غالب الأحيان بأنشطة اقتصادية ومالية ومجتمعية وسياسية..، فإن من شأن تدخلها في مجال حرية الضمير أن يثيرا إشكالا حقيقيا، الشيء الذي يستلزم استقصاء تعامل العمل القضائي مع هذا الموضوع.
إن العمل القضائي يسير في اتجاه تكريس مبدأ حرية الضمير وفقا لنص الدستور وروحه وتكريس الفصل، في موضوع الدين والمعتقد، بين الحريتين الفردية والجماعية. ففي قضية دولة بومباي ضد نارازو َأبا مالي[30]، صرح رئيس المحكمة العليا لبومباي بخصوص المادة 25 بأنه ينبغي التمييز تمييزا واضحا بين المعتقدات الدينية والممارسات الدينية، فما يحميه الدستور (بصفة مطلقة) هي العقيدة والمعتقدات، أما الممارسات الدينية، فلا بد لها، إذا تعارضت مع النظام العام أو الأخلاق أو الصحة العامة أو سياسة الإصلاح المتدرجة التي تنتهجها الحكومة، أن تترك المجال للصالح العام والمصلحة العامة التي تمثلها الدولة. فحرية الاعتقاد، حسب هذا القاضي، حق مطلق لا يحتمل تدخل الدولة، وحرية الممارسات الدينية وحدها هي التي يمكن تقييدها بواسطة التدخل العمومي[31].

حرية الضمير والمعتقد ومقومات اللحمة الوطنية: أندونيسيا
بالرغم من كون المسلمين يشكلون غالبية سكان أندونيسيا حيث يمثلون نسبة 88 %، فإن البلاد تتميز بتنوع ديني كبير (البروتستانتيون 5% ، الكاثوليك 3%، الهندوس 2%، البوذيون 1%، الكونفوشيوسيون)، الشيء الذي أضفى طابعا من الحدة على إشكالية تحديد طبيعة الدولة وموضوع حرية الضمير والدين التي واجهت اللجنة التي شكلها اليابانيون لوضع لبنات الاستقلال الدستورية بخاصة. فمن أجل تجاوز الصراع بين مناصري دولة علمانية وطنية ودعاة دولة إسلامية قدم سوكارنو مقترحا، حظي بقبول الطرفين، يرمي إلى بناء الدولة على خمسة مبادئ أو دعائم (Pancasila) هي الوطنية، الإنسانية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية والإيمان بالله. وعلى هذا النحو، فإن الدستور الأندونيسي، الذي دخل حيز التنفيذ منذ سنة 1945، ينص في المادة 29 على أن "الدولة قائمة على الإيمان بالله، العلي القدير" وعلى أنها "تخول لكل مواطن حرية الدفاع عن دينه وممارسة عبادته حسب ديانته وعقيدته"[32].

الدول الغربية: مسار مطبوع بتوطيد مبدأ حرية الضمير وتوسيع نطاقه
لئن كان إقرار حرية الضمير في دساتير الدول الغربية لا يثير على وجه العموم أي إشكال فإن من شأن الاطلاع على تجارب بعضها أن يقدم إضاءات حول السياق التاريخي لإقرار المبدأ (الولايات المتحدة الأمريكية) والاجتهاد في تحديد مفهوم حرية الضمير (كندا) وتوسيع نطاقه (الدول الأوربية).
1ـ تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية، رغم ما يطبع المجتمع من حضور قوي للدين في  الفضاء العمومي، من أولى الدول التي عرفت كيف تضمن حرية دينية كبيرة للمواطنين. ويعد نظام فرجينيا من أجل الحرية الدينية (Virginia Statue for Religious Freedom) والذي حرره توماس جفرسون وتبنته الجمعية التشريعية لفرجينيا سنة 1786 أول نص أمريكي يقر مبدأ حرية الضمير.  وتكمن أهميته في أنه مهد الطريق لدستور 1791 الذي نص على أن الكونغريس لن يتخذ أي قانون يمس إقامة دين معين أو يمنع ممارسته الحرة، ومنع وجود دين رسمي وأقام حدا فاصلا بين الكنائس والدولة الفدرالية.
ويرى مصطفى صفوان في هذا الاختيار المبكر الذي فطن له الآباء المؤسسون محررو دستور الولايات المتحدة الأمريكية دليلا عن حكمة افتقدها مؤسسو الاتحاد  السوفياتي المنهار. فالحكومة الأمريكية بحسمها لقضية حرية الضمير والمعتقد منذ التعديل الأول لم تجد نفسها مضطرة للتدخل في مشكل ذي صبغة دينية سوى مرة واحدة سنة 1800 عندما أعلنت طائفة المورمون أن الزواج بأكثر من امرأة واجب ديني على الرجال المنتمين إليها. فتولت المحكمة العليا النظر في القضية وقضت بأن من واجب هذه الطائفة أن تخضع للقوانين الفيدرالية التي تنبذ تعدد الزوجات[33].      
2 ـ في نفس الاتجاه، فإن الميثاق الكندي للحقوق والحريات يعدد في المادة الثانية[34] منه "الحريات الأساسية" التي يتمتع بها نظريا كل من يوجد فوق التراب الكندي بصرف النظر عما إذا كان كنديا أم لا، والتي تحمي من تعسف الأجهزة الحكومية وتطبقها المحاكم. وهذه الحريات هي حرية التعبير وحرية الضمير وحرية الدين وحرية التفكير وحرية الاعتقاد.
وعندما تم الطعن في القوانين التي كانت تمنع فتح المحلات التجارية يوم الأحد، فرضا لاحترام الديانة المسيحية، في إطار قضية روبرتسون وروزتاني[35]،  صرح  القاضي ريتشي Ritchie من المحكمة العليا أن غير المسيحيين يصابون بخسارة لما ينكر عليهم حقهم في الاشتغال يوم الأحد، والحال أنهم أحرار في الإيمان بدياناتهم وممارستها، فتم في النهاية إلغاء القوانين الفدرالية التي قررت منع فتح المحلات التجارية يوم الأحد.
وفي نطاق تطبيق الميثاق فحصت المحكمة العليا مسألة حرية الدين والمعتقد لأول مرة بمناسبة قضية بيغ م دراك مارت[36]. ففي القرار الصادر في هذه القضية كتب القاضي دريان ديكسون Drian Dickson أن هذه الحرية تشمل حرية التعبير الديني التي تتضمن " حق المرء في أن يعتقد ما يشاء في المجال الديني، وحريته في الجهر بمعتقداته الدينية دون خوف من المنع أو الانتقام، وحقه في إظهار معتقداته الدينية عبر ممارستها وعبر العبادة أو عن طريق تعليمها. ورفعا للالتباس، فقد عمدت في القرار الذي أصدرته بخصوص قضية نقابة نورثكريست ضد أمسيليم[37] إلى تقديم تعريف لحرية الدين. فهذه الحرية تشمل، حسب القرار، الحق في الممارسات الدينية إذا كان الفرد يعتقد بصدق أن تلك الممارسات مرتبطة بدينه، بصرف النظر عما إذا كانت الممارسة المعنية تعتبر ضرورية من قبل السلطات الدينية. الشيء الذي يؤول إلى إدراج الاعتقاد والدين في مجال الضمير الخالص.
ورغم نص ديباجة الميثاق الكندي على الاعتراف بسمو الإله ، فإن حرية الضمير تشمل بالضرورة، حسب البروفيسور بيتر هوك Peter Hogg، الحق في الإلحاد.
ولا يقف توسيع الاجتهاد القضائي لنطاق حرية الضمير عند هذا الحد بل يمتد ليشمل مختلف الاختيارات في الحياة. فقد أشارت القاضية بيرثا ولسون Bertha Wilson في حكمها الصادر في إطار قضية مورجانتلير[38] 1988 إلى أن في منع الإجهاض انتهاكا لحرية الشخص وأمانه، وأكدت أن هذا الانتهاك لا يمكن تبريره عملا بمبدأ العدالة الأساسية وأضافت أن منع الإجهاض بخاصة يمثل انتهاكا لحرية الضمير، ما دام " قرار إيقاف حمل من عدمه قرارا أخلاقيا أساسا، مسألة ضمير... فحتى ما نعتقده في ضميرنا، بدون أي حافز ديني، محمي بمبدأ حرية الضمير التي تضمنها المادة الثانية من الميثاق"[39].
3ـ إذا كانت جميع الدول الأوربية تقريبا تقر في دساتيرها احترام حرية الضمير والمعتقد، فإن بعضها ذهبن في سياق توسيع نطاق هذه الحرية إلى حد إقرار الحق في الاعتراض بسبب الضمير أو الاعتراض الوجداني.
يعتبر دستور الجمهورية الفيدرالية الألمانية[40] أول دستور نص على الحق في الاعتراض الوجداني في سياق الحديث عن حرية الضمير. فبعدما نصت المادة الرابعة في الفقرة الأولى على أن حرية الاعتقاد والضمير ونشر المعتقدات الدينية والفلسفية مصونة، وفي الفقرة الثانية منها على أن حرية العبادة مضمونة، نصت في الفقرة الثالثة على أنه  لا يمكن إكراه أحد رغما عن ضميره على الخدمة المسلحة في زمن الحرب. والواقع أن إقرار هذا المبدأ قد جاء من باب رد الفعل على المنطق الذي ساد خلال المرحلة النازية وعلى ممارساتها التي افضت على تراجع جميع القيم والاختيارات والحريات الفردية أمام المنطق التوتاليتاري.
وإذا كان الدستور الإسباني[41] يقر صراحة الحق في حرية الضمير في المادة 16 منه فإنه  ينص في المادة 30 على الحق في الاعتراض الوجداني من خلال القول إن الدفاع عن إسبانيا حق وواجب بالنسبة للإسبان، وإن القانون سيحدد الواجبات العسكرية للإسبان وسينظم، وفق الضمانات المناسبة، الاعتراض الوجداني وغيره من أسباب الإعفاء من الخدمة العسكرية الإجبارية. ويمكنه أن يفرض، إن اقتضى الحال، خدمة اجتماعية تعوضها.
وقد اعتبرت المحكمة الدستورية الإسبانية سنة 1982 الاعتراض الوجداني "حقا يقره بكيفية صريحة وضمنية النظام الدستوري الإسباني، باعتباره مظهرا من مظاهر الحرية الإيديولوجية التي يحميها الدستور الإسباني (بمقتضى المادة 16 منه). وفي عام 1987 أصدرت قرارا شهيرا اعتبرت بواسطته حق الاعتراض الوجداني على الخدمة العسكرية "حقا دستوريا قائما بذاته وأساسيا" وأضافت أنه لا يمكن اختزاله إلى حرية الضمير.
وفي نفس الاتجاه ينص الدستور البرتغالي في الفقرة السادسة من المادة 41 منه على أن "الحق في الاعتراض الوجداني مضمون."
ويعتبر الاعتراض بسبب الضمير تعبيرا عن عدم الانسجام بين القناعات والاختيارات الشخصية وإملاءات الضمير من جهة وبعض الأعمال أو القواعد الجاري بها العمل داخل مجموعة من المجموعات (دولة، مؤسسة، مقاولة) من جهة أخرى. وغالبا ما يتصل بالأعمال العسكرية. وقد أصبح إقراره وإضفاء الشرعية عليه مطلوبا بصورة ملحة بالنظر إلى انتشار قيم التنوع والتعدد وتنامي الوعي بالحق في الاختلاف، وأصبح من هواجس الهيئات الدولية المهتمة أو المعنية بحقوق الإنسان. على هذا النحو، فإن القرار 1989/59 للجنة حقوق الإنسان اعتبر الاعتراض الوجداني تجليا من تجليات حرية التفكير والضمير والدين، كما أن الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان أشارت إليه في المادة الرابعة (3 ـ ب).
  

عدم التمييز بين حرية الضمير والحرية الدينية: دساتير أمريكا اللاتينية
       تتميز دساتير المكسيك والهندوراس وهايتي وفنزويلا بأنها تقر حرية المعتقدات أو الدين أو العبادة دون تمييز. وباستثناء كوبا التي يجرم قانونها الجنائي الشطط في ممارسة الحرية الدينية[42] مع أن الدستور الكوبي يضمن حرية العبادة، فإن دساتير البرازيل والشيلي والإكواتور والبيرو تقر حرية الدين إقرارا فعليا وتماهي بينها وبين حرية الضمير.[43]
       فالواقع أن دول أمريكا اللاتينية علمانية بطبيعتها وبحكم تاريخها ومحايدة إزاء الأديان وخالية من الصراعات بسبب الدين.    
البلدان العربية والإسلامية: تناقض وتردد
يرتبط موقف الدساتير العربية والإسلامية من حرية الضمير والمعتقد باختلاف درجة ارتكاز الحكم على الإسلام، ودرجة اتخاذ الإسلام معيارا ومرجعا لنظام الحكم وأسلوبه، وبالتالي فإنه لا يأخذ بعين الاعتبار الفرد ولا هو ينبني على تصور للمواطنة.
وإذا كانت جميع الدول العربية، ما عدا لبنان، تعتبر في دساتيرها الإسلام دينا للدولة رغم وجود أقليات دينية غير مسلمة في معظمها، فإن بعضها يعتبر الإسلام مصدرا وحيدا للتشريع والبعض الآخر يعتبره مصدرا من مصادر التشريع مما يؤدي إلى تباينات، وأحيانا تناقضات ومفارقات، في البنيات القانونية لهذه الدول، وبالتالي في كيفية تعاملها مع مبدأ حرية الضمير وما يتفرع عنه أو يتصل به من حقوق. 
ـ دول لا مجال في دساتيرها للنص على احترام حرية الضمير:
من أبرز نماذج هذه الدول: المملكة العربية السعودية التي ينص نظامها الأساسي للحكم[44]، والذي يعتبر بمثابة دستور، في المادة الأولى على أن المملكة العربية السعودية دولة عربية وإسلامية ذات سيادة كاملة، دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله، وفي المادة السادسة على أن المواطنين يبايعون الملك على كتاب الله وسنة رسوله وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وفي المادة السابعة على أن الملك يستمد سلطته من كتاب الله وسنة رسوله، وفي المادة الرابعة والثلاثين على أن الدفاع عن العقيدة واجب على كل مواطن، وإيران التي يتهيكل دستورها[45] الثيوقراطي في كافة مقتضياته حول اعتبارات دينية صرف تتصل بالإسلام الشيعي تحديدا، والباكستان التي يتخذ دستورها[46] في ديباجته من الدين الإسلامي إطارا لتطور الدولة والمجتمع.
ـ دول تجمع في دساتيرها بين وحدة العقيدة وحرية الضمير:    
       إن الأمر يتعلق بدول تنص على الإسلام دينا للدولة، لكنها لا ترى في ذلك، وفيما يترتب عنه من تقييد للحرية الدينية للأفراد، أي تعارض مع إقرار حرية الضمير والمعتقد. فالدستور التونسي[47] يؤكد في ديباجته على التعلق بتعاليم الإسلام ويشير في الفصل الأول إلى أن دين الدولة هو الإسلام، ثم يقرر في الفصل الخامس أن الجمهورية التونسية تضمن حرمة الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينية ما لم تخل بالأمن العام. والدستور الجزائري[48] ينص في المادة الثانية على أن الإسلام دين الدولة، ولا يجد غضاضة في النص في المادة السادسة والثلاثين على أنه " لا مساس بحرمة حرية المعتقد، وحرمة حرية الرأي"، وفي النص في المادة 42 على عدم جواز تأسيس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو مهني أو جنسي أو جهوي. ويقرر الدستور المصري الحالي[49] في المادة الثانية عشرة (المادة السادسة والأربعين في دستور 2007) أن الدولة تكفل حرية الاعتقاد وحرية العبادة. وقد حافظ على المادة الثانية من الدستور السابق والتي تنص على أن الإسلام دين الدولة وتضيف أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. ولم يكن  محررو الدستور السابق يجدون أي تعارض بين كفالة حرية الاعتقاد وحرية العبادة وبين اعتبار التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم العام (المادة 19)، غير أن محرري الدستور الحالي حذفوا هذا المقتضى.

ـ دول استبعدت النص في الدستور على حرية الضمير:
رغم الانفتاح الذي طبع أجواء تحضير الدستور المغربي الحالي[50] وإشراك مختلف الفعاليات والاتجاهات في المناقشات والمشاورات التي أجرتها اللجنة المكلفة بإعداده، ورغم كثرة المذكرات والملاحظات والمطالبات المقدمة إلى اللجنة في الموضوع، ورغم حرص الدستور على تأصيل الحقوق والحريات، تفعيلا لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ولمطالبات المجتمع المدني والفاعلين في هذا المجال، فإن الحريات والحقوق المضمنة في الدستور لا تتضمن الحق في حرية الضمير. ويتبين من خلال تصريحات بعض أعضاء اللجنة أن الصيغة الأصلية المعدة من لدن اللجنة كانت تتضمن نصا صريحا على هذا الحق، غير أن ضغوطا مورست من قبل بعض الاتجاهات الإسلامية المحافظة وصلت إلى حد التهديد بالتصويت بلا على الدستور، من أجل حذف هذا المقتضى وكل إحالة على مفهوم الدولة المدنية، حالت دون النص على حرية الضمير والمعتقد في الدستور المغربي الجديد.
وإن عدم تضمين نص الدستور مبدأ حرية الضمير، بالرغم من ضمان الحقوق الأخرى وإقرار سمو الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي، يكرس التناقض القائم داخل  البنية القانونية المغربية من حيث اعتمادها أساسا على قوانين وضعية، ولكن مع إخضاع مواد بكاملها (مثل الأسرة والميراث) لمرجعية دينية، أو بناء مقتضيات بعينها على خلفية مرجعية دينية. تناقض يفضي مثلا، في مجال حرية الضمير والدين، إلى تجريم الإفطار في رمضان (وهو أهون) دون تجريم الردة أو الإلحاد (وهما أخطر)، وإخضاع هذا الفعل فضلا عن ذلك لعقوبات وضعية غير مقررة في الشريعة الإسلامية، بقدر ما يفضي إلى تمييز على أساس الدين أو المعتقد (جواز زواج المغربي المسلم بالكتابية غير المسلمة، وعدم جواز المغربية المسلمة بغير المسلم...).       
ومن الدساتير العربية التي تستبعد حرية الضمير دستور الجمهورية العربية الموريتانية[51] الذي ينص في ديباجته على التمسك بالدين الإسلامي الحنيف وبمبادئ الديمقراطية، مضيفا، في المادة الخامسة، أن الإسلام دين الشعب والدولة. ولئن كان يستعرض في المادة العاشرة بعض الحقوق والحريات المكفولة للمواطنين، فإنه لا يتطرق إلى حرية الضمير والمعتقد. كما ينص الدستور الأردني في المادة الثانية على أن الإسلام دين الدولة وينص بصيغة فضفاضة في المادة السابعة إلى أن الحرية الشخصية مصونة ثم يعلن في المادة الرابعة عشر أن الدولة تحمي القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية في البلاد ما لم تكن مخلة بالنظام العام أو منافية للآداب، دون أن يتضمن أية إشارة إلى حرية الضمير أو المعتقد.
ولابد من الإشارة في سياق الحديث عن دساتير البلدان العربية إلى الدستور اللبناني[52] الذي يقرر في ديباجته أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، ويضيف في المادة التاسعة أن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن الدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام، وأنها تضمن أيضا للأهالي على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية.
  خلاصة
إن إقرار حرية الضمير على وجهه الصحيح، باعتباره شرطا لازما للتعايش والمواطنة السليمة والازدهار الحر للأفراد، يصطدم في البلدان العربية بنزوع الاتجاهات المحافظة سواء في مواقع الحكم أو خارج دائرة القرار إلى ادعاء شرعية التحكم في العقول والأذهان من منطلق اعتقادها امتلاك الحقيقة وشيطنة كل تفكير أو اختيار أو منطق خارج نطاق تفكيرها واختيارها ومنطقها.
وإن عدم إقرار هذا الحق ليؤدي إلى تكفير التفكير وتحويل التفكير الحر إلى رهينة وهدر كيان الفرد.
                  محمد الناوي، محام بهيئة الدار البيضاء   



[1]  ينظر الحوار المجرى معه من لدن مركز الإعلام والمشورة للروحانيات الجديدة Centre d’Information et de Conseil des Nouvelles Spiritualités  والمدرج ضمن أرشيفه في الموقع الإلكتروني: http://www.sectes-infos.net/video.htm
[2] Marie J.-B., La liberté de conscience dans les instruments internationaux des droits de l’homme : reconnaissance et interprétation , Revue de droit canonique, n° 52. 1, 2002
[3] Robert J., Libertés publiques et droits de l’homme, Paris, Montchestien, Paris, 1988, p.388 et s.
[4] Le Professeur Berger, Jurisprudence de la Cour européenne des  droits de l’homme, Paris, Sirey, 2007
[5]  سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم د. حسن حنفي، مراجعة د. فؤاد زكريا، دار التنوير 2008، الفصل العشرون
[6]  نفس المرجع.
[7]   10 دجنبر 1948
[8]   اعتمد بقرار الجمعية العامة للأمم  المتحدة المؤرخ في 16 دجنبر 1966
[9]   الملاحظة رقم 22، بتاريخ 30 يوليوز 1993
[10]  حقوق الإنسان، مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك 1993 ،  A, 94, XIV- vol. 1 part. 1 ص. 69
[11]  اعتمد حسب القرار عدد: 36/55 المؤرخ في 25 نونبر 1981 والذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والسبعين
[12]  دستور الجمهورية الخامسة، 4 أكتوبر 1958
[13]  ينبغي التذكير بأن هذه الصياغة استعادة للصياغة الواردة في دستور سنة 1946، وأن دسنور 1958 لم يضف سوى عبارة: "تحترم جميع المعتقدات"،  وأن هذا النص الصريح تتويج لمسار من المبادرات "القانونية" ذات التوجه اللائكي بدءا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 الذي نص في المادة الثالثة على أن مبدأ كل سيادة يكمن أساسا في الأمة، وعلى أنه لا يمكن لأي فرد أو هيئة أن يمارسا سلطة لا تنبع منهما، وفي المادة العاشرة التي نصت، بعد صراعات مريرة ومشاحنات خلال يومي 22 و23 غشت 1789 بخاصة، على أنه لا يمكن مضايقة أحد من أجل آرائه حتى الدينية منها ما دام التعبير عنها لا يخل بالنظام العام القائم بالقانون، ومرورا بحذف الجرائم ذات الصبغة الدينية سنة 1791 وبإحداث الزواج المدني وإقرار إمكانية الطلاق سنة 1792، وبالتصويت سنة 1795على القانون المتعلق بفصل الكنائس عن الدولة وإن ظل تطبيقه محدودا، وبصدور قانون 28 مارس 1882 الذي  جعل التعليم الابتدائي إجباريا ولائكيا...، وبصدور قانون 9 دجنبر 1905 المتعلق بفصل الدين عن الدولة مع ما يستتبعه من إقرار لحرية الضمير ولحرية ممارسة العبادات ولحق الأديان في تنظيماتها الداخلية.
[14]  صدر بتاريخ 2 أبريل 1976 وجرى تحيينه بتاريخ 12 يوليوز 2004
[15]  الفقرة الرابعة
[16]  الفقرة الخامسة
[17]  كما وقع تعديله بموجب القانون رقم 4121 الصادر بتاريخ 23 يوليوز 1995
[18]  انظر Cemal Karakas : La laïcité turque peut-elle être un modèle ? in Politique étrangère, n° 3 automne 2007 pp. 561-573
[19]  دستور 26 دجنبر 1992
[20]  دستور 22 يناير 2001
[21]  دستور 18 يناير 1996 الصادر بموجب القانون رقم 96-06 والمعدل لدستور 2 يونيو 1972
[22]  دستور سنة 1997
[23]  دستور 27 فبراير 1992
[24]  دستور 31 مارس 1996 المعدل بواسطة الاستفتاء المجرى بتاريخ 6 يونيو 2005
[25]  صادقت عليه الجمعية الوطنية الشعبية يوم 16 ماي 1984 وجرى تعديله خلال سنوات 1991 و1993 و1996
[26]  يتميز المجتمع الهندي بتعدد الأديان والطوائف، ففي سنة 2001 ومن أصل ساكنة قدر عددها بمليار، بلغت نسبة الهندوس 80,5 % ، والمسلمين 13,4 %، والمسيحيين 2,3 %، والسيخ1,9  %، والبوذيين % 0,8، والجاينيين %0,4، ومن يدينون بديانات أخرى % 0,7
[27]  Constituent Assembly Debates VII, 781
[28]  دستور 26 يناير 1950 المصادق عليه من لدن الجمعية التأسيسية بتاريخ 26 نونبر 1949، الذي استغرق تحضيره زهاء ثلاث سنوات، وخضع إلى حدود سنة 2006 لأربعة وتسعين تعديلا. ويعتبر أطول دستور في العالم باحتوائه على 396 مادة.
[29]  تنص المادة 15 مثلا على عدم جواز التمييز على أساس الدين أو الطائفة أو الجنس أو مسقط الرأس
[30]  Etat de Bombay c° Narasu Appa Mali, Indian Law Reports, 1951, Bombay 775
[31]  نفس التعليل تقريبا تتبناه في القضايا المماثلة المحاكم العليا الأخرى، وتكرسه المحكمة العليا (الفيدرالية). ومن بين القضايا التي جسدت فيها المحكمة العليا (الفيدرالية) هذا الاتجاه قضية راتيلال (Ratilal, All India Reports, 1954, Supreme Court, 388 )    
[32]  ينبغي الإشارة إلى أن الحرية الدينية المقررة في هذه المادة سوف يتم تقييدها بموجب "تصريح بوغورف" الذي نشره وزير الشؤون الدينية سنة 1963 والذي حصر الديانات المعترف بها رسميا، والممثلة في الوزارة في خمسة هي الإسلام، والبروتستانتية والكاثوليكية والبوذية وهندوسية بالي، قبل أن يتم الاعتراف رسميا بالكونفوشيوسية سنة 2000 في عهد الرئيس عبد الرحمان وحيد. لكن هذا لا يمنع الأقليات الدينية غير المعترف بها رسميا من ممارسة دياناتها ومعتقداتها شريطة عدم مخالفة الدستور. وعلى هذا النحو مثلا فإن السلطات تحضر طائفة شهود الإله Les Témoins de Jéhovah لأنها تمتنع عن أداء الضرائب وترفض العلم الوطني والخدمة العسكرية وتمنع أطفالها من ولوج المدارس العادية، وتحظر لأسباب دستورية مماثلة نشاط بعض الطوائف الإسلامية مثل دار الأركان  
[33]  Pourquoi le monde arabe n’est pas libre, Moustapha Safouan, éd. DENOËL, 2008 , p. 23
[34]  دخلت هذه  المادة حيز التنفيذ باعتبارها جزءا من الدستور يوم 7 أبريل 1982.
[35]  R. c° Robertson and Rosetanni, 1963
[36]  R c. Big M Drug Mart, 1985
[37]  Syndicat Northcrest c. Amselem, 2004
[38]  R c. Morgentaler, 1988
[39]  R c. Morgentaler, 1988 1 R.C.S. 30 par. 247
[40]  دستور 23 ماي 1949 والذي أدخل عليه ما يزيد عن خمسين تعديلا
[41]  وافق عليه الكورتيس في جلسته العلنية المنعقدة بتاريخ 31 أكتوبر 1978 ووافق عليه الشعب الإسباني بواسطة الاستفتاء يوم 6 دجنبر 1978 وأكده الملك أمام الكورتيس يوم 27 دجنبر 1978.  
[42]  المادة 206
[43]  للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع ينظر: Regards croisés sur la liberté de conscience, Sous la direction de Stéphane Guérard, l’Harmattan, 2010
[44]  يرجع تاريخه إلى فاتح مارس 1992
[45]  صدر يوم 24 أكتوبر 1979 وعدل بتاريخ 28 يوليوز 1989
[46]  دستور 12 أبريل 1973
[47]  دستور 1959 كما وقع تنقيحه بمقتضى القانون الدستوري عدد 37 الصادر بتاريخ 8 أبريل 1976
[48]  دستور 28 فبراير 2002
[49]  صدر بمقتضى الاستفتاء المجرى بتاريخ 19 مارس 2011 والمعلن عن نتائجه يوم 20 مارس 2011
[50]  دستور 29 يوليوز 2011 الذي أجري الاستفتاء بشأنه يوم فاتح يوليوز 2011
[51]  دستور يوليوز 1991 المعدل بتاريخ 25 يونيو 2006 
[52]  صدر في 23 ماي 1926 وتمت مراجعته في شهر غشت 2004 





هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات
إعلان مشترك حول حرية الضمير والمعتقد

أجرت "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" حوارا حول حرية الضمير والمعتقد ونظّمت ندوة سياسية حول الموضوع احتضنها "منتدى 18 أكتوبر" ونُشِرَتْ وقائعها في صحف المعارضة وشبكة الإنترنت.
وقد شارك في هذه الندوة رموز الأحزاب بورقات تعبّر عن رؤيتها الخاصّة لهذا الموضوع. كما شارك فيها مثقفون وممثلون عن المجتمع المدني وعدد من الشخصيات الوطنية. وقد اتسم الحوار الذي دار بينهم بالثراء والتعدد في وجهات النّظر وتطرّق إلى عدّة مسائل منها واقع حرّية الضمير والمعتقد في البلدان العربية والإسلامية ومسألة الردّة في الإسلام والمواثيق الدولية ذات الصّلة بالموضوع.

وقد أجمع المشاركون على أنه ولئن قطعت المجتمعات العربية والإسلامية خطوات، تتفاوت أهميتها من مجتمع إلى آخر، على طريق ضمان حريّة المعتقد والضمير، فإن رواسب مازالت تؤثر في التشريعات الجارية وفي الممارسات التي تحكم علاقة الدولة بالمواطنين.

وعلى الرّغم من التباين في المرجعيات الفكرية والمنطلقات العقائدية ومن تعدد القراءات داخل المرجعية الواحدة أحيانا، فقد أظهر الحوار الذي دار على مدى ثلاثة أشهر وفي أجواء من المحاصرة الأمنية الشديدة، أن مواقف الأحزاب والشخصيات الوطنية المنضوية تحت لواء "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" تتقاطع وتلتقي حول المبادئ والقيم التالية:
أولا: حرية المعتقد والضمير يجب أن تكون مكفولة لكل مواطنة ومواطن، وهي اختيار شخصي، لا إكراه فيه، وتشمل الحق في اعتناق دين أو معتقد أو عدم اعتناقه والحق في إظهار ذلك الدين أو المعتقد وإقامة شعائره ونشره بالتعليم أو بالدعوة إليه. ولا تخضع حريّة الضمير والمعتقد إلاّ للقيود التي يفرضها القانون وتكون ضرورية لحماية النظام العام أو حقوق الآخرين أو حرياتهم الأساسية أو الآداب العامّة، دون أن يكون ذلك سببا للإخلال بتلك الحريّة. وتلتزم الدّولة بضمان واحترام حريّة الضمير والمعتقد التي يكفلها القانون وتحميها الهيئات القضائية من كل انتهاك.
ثانيا: نبذ كل تمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو المعتقد باعتبار أن المواطنة عقد يقوم على المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع.
ثالثا: الالتزام بالبنود الواردة في المواثيق الدولية والمتصلة بحرية الضمير والمعتقد وفي مقدّمتها "الإعلان العالمي لحقوق الانسان" لسنة1948 و"العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" لسنة 1966 و"إعلان الأمم المتحدة" الصادر في 25 نوفمبر 1981 واعتبار أن حرّية الضمير والمعتقد وطنها العالم بأسره وأن عالمية حقوق الانسان المعبّرة عن رصيد الإنسانية من الخبرة والتجارب الثرية، لا تعني التنميط وإنما هي تستوعب التنوع وتحترمه.
رابعا: إن صيانة حرّية الاعتقاد في بلادنا والذود عنها لا يتعارضان مع ما يحتلّه الإسلام من منزلة خاصّة في تكوين الشخصية الحضارية المميزة للشعب التونسي، لذلك فإن تنزيل المبادئ الكونية لحقوق الانسان وأحكام الاتفاقيات الدولية المتعلّقة بحرية الضمير والمعتقد، يتمّ في تفاعل خلاّق مع الرّصيد الثقافي العربي الإسلامي للشعب التونسي ويعدّ هذا التفاعل عاملا من عوامل إصلاح المجتمع والانتقال به إلى مجتمع حديث يقوم على الحريّة ونبذ كل أنواع الوصاية أو الضّغط أو الإكراه.
وبناء على ما تقدّم فإنّ "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" تتعهّد بصيانة حرّية الضمير والمعتقد والذود عنها في وجه كل انتهاك مهما كان مصدره، وهي تَعْتبِرها جزءا من حرّية الرأي التي تتوقّف عليها سائر الحريات الأخرى وركنا من أركان النظام الديمقراطي الحديث وشرطا من شروط المواطنة.

هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات 


0 commentaires:

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Affiliate Network Reviews