ابــــــــــــــــــــــــــي: احد روائع الاديب حليم حاجبي






إلى أبـــــــــــــــــــــي

قــــــاهر الـــــأرض و الــزّمــــن


بعيدا... بعيدا... في سفح الجبل الأجرد. بين كروم الهندي والصّخور النّاتئة في الأرض كالإبر، فلّاح يتناول فأسه إلى جواره وبكلتا يديه يحفر الأرض.
ضربات متلاحقة من فأسه الثّقيلة. يزيل التّراب والصّخور. يقتلع كلّ صخرة حتّى يصل طبقة الصّخور المتلاصقة تحت أديم الأرض.
أبي يعلم جيّدا كلّ تفاصيل أرضه فقد اختار جدّه أن يقيم في سفح جبلٍ عجوز قرب عين ماء اندثرت مع تتالي سنوات القحط و الجفاف.
كان عليه أن يولّد الحياة من العدم. لذلك خلافا لكلّ رجال القرية كان دوما مصرّا على زراعة شجرة مشمش أمام البيت.
أغلب جيراننا كانوا يزرعون تينا أمام منازلهم. زرع أبي أيضا تينا بعيدا قليلا عن المنزل لكنّه أصرّ على زراعة شجرة مشمش مباشرة أمام منزلنا الرّيفيّ الذي يشبه مدرسة ببيوته المصطّفّة والمتّجهة دوما جنوبا تستقبل الشّمس بأبوابها الزّرقاء التي لا تقفل أبدا، تحتضن الرّياح الغربيّة الباردة شتاءا و رياح الشّهيلي المحرقة صيفا.
لحاف رأسه الأبيض محيطا بشعره الأشيب وبرقبته. يرتفع قليلا شتاء ليغطّي فمه وجزء من أنفه ويسدله صيفا لحماية أكتافه من نار الشّمس المحرقة.
تخرج أمي حاملة كأس الشّاي فيترك أبي فأسه و ينفض بعض الترّاب العالق بوجهه و يديه. ثم يمدّ بكلّ رقّة يدا غليظة مشققة، تصلّبت قشرتها من كثرة مصافحة المسحاة و الفأس وفارقها الدّم كلحاء شجرة فارقها الماء.
سريعا يعود أبي إلى فأسه ليضرب عميقا في الأرض:
- هذه الصّخور تمنع جذور الشّجرة الصّغيرة من التّقدم في الأرض... بدون الأرض و الماء لن تعيش طويلا هذه الشّجيرة...
أبي يدرك جيّدا مسار جذور شجيرة المشمش بين التّراب و الصّخور لذلك ينحت في سفح الجبل طريقها نحو المياه و الأرض. يزيل كلّ الصّخور و يثقب الطبقة المتراصّة منذ كان الجبل يصعد معانقا السماء ليجثم بكل ثقله على الأرض و المياه سرّ الحياة.
يوصينا أبي يوميّا و يوصي أمي خيرا بشجيرته التي لم أعلم إلى اليوم سرّ تعلقّه بها. 
أهو لون أزهارها أم طعم ثمارها أم هو حبّ الحياة في زمن القحط تحت جبل أحمر؟ 
يعود كلّ مساء ليتفقدّها. يسقيها ماء ويتفقدّ كل أوراقها. يلمسها ويتحسّس أغصانها. يصغي لتدفق الماء والأملاح بين مفاصلها.
نلعب نحن الصّغار، حولها كامل النّهار و نراقب نموّها كلّ يوم. نفاخر كلّ الجيران بأوراقها الجديدة وأغصانها الطريّة التي أخذت تنمو. نتحدّى بها شجر التّين و سفح الجبل الذي ما انفك يحاصرنا بصخوره.
تفرّعت أغصان الشّجرة ونمت أوراقها لكنها ظلّت قصيرة القامة كأنها تخشى العلو وتفضّل الارتباط أكثر بالأرض.
تفحّصها أبي جيّدا وأكثر من عزق تربتها. أزال كلّ الأعشاب الطفيليّة التي ما انفكّت تحاصرها.
اعتنى بها كأحد أبنائه لكنّها أبت الابتعاد عن الأرض و الاقتراب ولو قليلا من السّماء.
كقزمة حبلى أزهرت مشمشتنا فأحصينا كل زهرة و راقبنا كل بتلة. طاردنا كل خروف أو دجاجة تقترب منها. صباحا قبل مغادرتنا المنزل نحصي الزّهرات و مساء بعد عودتنا من المدرسة نحصي الفرق الذي بدأ في النموّ أسرع من نموّ الشّجيرة حتى أصبحت بلا أزهار ثم بلا أوراق. ثم ذبلت أغصانها و اكتسحها التيبّس.
أصابنا الحزن و الخجل أمام أشجار التّين التي تواصل النموّ والجبل الذي يواصل زرع صخوره تحت أقدامنا الحافية.
يأخذ أبي فأسه ويعود ليحفر مجددا في الأرض. يضرب عميقا حتى يقتلع الشجيرة ثم يعيد التّراب إلى الحفرة.
- السّنة القادمة سأحفر أعمق وأثقب طبقة الصّخور المتلاصقة حتى تمتدّ جذور الشّجرة أكثر...

0 commentaires:

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Affiliate Network Reviews