الكاريكاتور بين الانسياب الجامح للخط والدفاع عن المجتمع


رسومات بسيطة ، انحناء وانسياب جامح للخط ، يرسم بسمة لدى المتلقي تتبعها عبرة          او نص لا حدود له ، قد تكون ترجمة لانفعالات الناس وقد تكون ملامسة حقيقية لقضاياهم. رسومات الكاريكاتور السياسي هذا التعبير البسيط والعميق تجلت في الحراك الاجتماعي التونسي فدافعت عن نفسها  ، من جهة، كفن من فنون المقاومة وكلسان سليط يدين ماتقترفه يد الاستبداد ضد الوطن وضد الانسان عامة.


وفي نظرة سريعة الى الخلف نستحضر فن الكاريكاتور ومعانقته الحميمة للقضية الفلسطينية ، فقد نشأ هذا الفن بين الابداع الحقيقي وبين الالتزام بالدفاع عن الوطن المحتل : ناجي العلي، جلال الرفاعي، بهاء البخاري، خليل أبو عرفة، بغدادي، ماهر محمد، إسماعيل عاشور، أمية جحا ( الخ ...)  اسماء  حولت الخط البسيط الى متراس لايتقن الا لغة المقاومة والدفاع عن الانسان ضد كل اشكال التمييز والقهر والاستبداد ، فناجي العلي وحده قدم اكثر من اربعين الف لوحة كاريكاتورية  قبل ان يتم اغتياله . كل هذه الاسماء تطوعت لتدعم قراءاتنا حول فن لا تديره التقنيات والاحكام والشروط المعقدة ولتضيف المزيد من الاعمال القيمة لارشيف الفن العربي.
لم يكن الكاريكاتور الفلسطيني هو المنطلق ولكنه كان محطة مضيئة ولازال منبرا للابداع ومنارة للمقاومة. اذ لم يرتبط هذا الفن بمفهوم استراحة المحارب بل كان استراحة القارئ من عناء تصفح مادة جافة وفتح افاق اخرى نحو نوافذ سياسية واجتماعية وثقافية. تعددت مهامه من التسلية الى الترفيه والتوضيح وكذلك التعليم ولكن ارتبط عمق هذا الفن بارتباطه بالسياسة وبالنضال الاجتماعي ، فمنه نبع سلاح السخرية موشّحا بالتحريض والدعاية والتعرية والفضح، مفاهيم نسوقها تباعا للخطر الذي اصبح يمثله هذا الفن على فضاءات الاستبداد والقمع.فانطلاقا من جزئية بسيطة يمكن الخوض في قضية رأي عام ، يتناولها كل الناس ، يطرحونها كموضوع للنقاش من خلال بساطة خطوط الرسومات الكاريكاتورية التي تناولت الموضوع .
«زاد» كلمة يذكرها الصغار طبعا لالتصاقهم الحميم باحد ابطال الرسوم المتحركة ، يأتي متأخرا كمنقذ للضحية و كمدافع عن الناس، ينهي عمله بترك اول حرف من اسمه ثم يختفي، بنفس الملامح ولكن بتجليات اعمق يخرج لنا رسام الكاريكاتور التونسي «زاد» او باللاتينية «Z»  كما اختار هو ان يلقب نفسه. تجلت رسوماته  في كل المفاصل والجزئيات السياسية لتونس فكان متابعا جيدا وملاحظا دقيقا للحراك السياسي ، يقف منه موقف المثقف العضوي ، ينقد، يعري ويفضح بخطوط بسيطة و بشخوص من خياله او رسومات لزعماء او لقادة سياسيين ، يحاصرهم بجموح القلم على بياض الورقة و يضعهم امام مساءلة حقيقية لانفسهم، يتجلى الرسم كمرآة تعكس الوجه الحقيقي للشخص المستهدف الذي قام عليه العمل. لم يسقط في التعميم الا نادرا ، كان الوضوح والبساطة عنوانا اخيرا لاعماله. اعمال تركها في وسائط الاعلام الاجتماعي مثل «البلوق» او «الفايسبوك» ليتيح للمتلقي سهولة تصفح رسومات لم تخلق الا لتعانق عين المشاهد البسيط .
لم يكن هذا الفن وليد قضايا المجتمعات المعاصرة و لكن جذوره تمتد الى ابعد من ذلك بكثير فقد تم العثور في احدى المقابر الفرعونية على رسم لغزال يلعب الشطرنج مع اسد ، وعلى جدران الاثار الاشورية وجدت عديد الرسوم الكاريكاتورية ، قد يكون المنطلق الترفيه وروح الفكاهة وهو ما تجلى في مخطوطات كليلة ودمنة  ولكن في واقعنا الحالي نجده  يأخذنا اكثر الى النضال السياسي والى هامش المجتمع، الذي لا ينمو الا رافضا ومعارضا. فالرسام «زاد» لم يتح لنا فرصة التقاط الانفاس و نحن نتصفح اعماله ، فغزارة الانتاج ميزته وكذلك عبر متابعة جهنمية للاحداث، فهو ذلك المترجم الحقيقي لتعقيدات المشهد مهما كانت الى بساطة تتيح للمتلقي سهولة الخوض فيها. نعود الى ديسمبر 0102 بعد ان احرق محمد البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد لنرصد اي نفس كان «زاد» يعطيه لاعماله الكاريكاتورية. تعترضنا صورة بسيطة عنوانها «تونس بركان بصدد الانفجار» ، رسم يحتوي بركانا على شكل انسان يمسك عود ثقاب ويصرخ: عشرة الاف سنة وانا عاطل عن العمل، قد لا نغوص اكثر في عمق عمله الفني ولكن ترجم لنا استشراف الفنان للمستقبل من خلال حواسه المرهفة ، ومن جهة اخرى اوضح لنا ارتباطه العميق بهموم الناس ومشاكلهم الاجتماعية، فلم يسقط في النخبوية والخطاب المتعالي وكذلك لم يترجم موقفه في شعبوية وتفاهة، بل تعالى على الخطاب السطحي والاسقاطات النظرية.
لازال هذا الفن محتاجا الى المتابعة والدرس والتحليل، وكذلك التدقيق في رسومات تدمج الجنون الابداعي بالرسالة المناطة بعهدة المثقف كمدافع اول عن مجتمعه، لن نستحضر كلاما لرسام الكاريكاتور«زاد» لاننا لا نعرفه حقيقة فقد اختار التخفي، ولكننا نستحضر كلاما للرسام الفلسطيني ناجي العلي: «انني مهموم وهمي ليس شخصيا بل هو هم جماعي يرتبط بالام الاخرين».


Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Affiliate Network Reviews