عفوا…اندلعت الثورة ليس لتنصيب رئيس و لكن
لنردد معا اغنية ملتزمة، نمزج صوتنا بحروف “الفن ميدان او لا يكون“، لنغني و نتنسم عطر
الشارع… لنتحول لطوفان الحان يصم اذان الطغاة.الاغنية الملتزمة هي لسان المجتمع ،
جزء من الحياة، هي تفصيل لا يتجزء من المشهد السياسي و الثقافي للانسان ، هي
معالجة للقضايا في جرءة و صدق ، تحمل رءيها و سلوكها المتشابك مع نسيج القيم
البديلة للمجتمع، اغنية كانت و لازالت تنشد التحرر من عبودية السلطة ، تبحث عن
حقيقة تقدس حقوق المواطن، اغنية ترتبط بمحيطها وواقعها الاجتماعي و تتسلل من مدرج
الجامعات ، من ساحات العمال ومن خيام المعتصمين و احيانا من مقاهي الثوار و قد
تنبعث في هدوء من سيارات النبلاء.
امتزج في تونس الصراخ الثوري ودم الشهيد في الحراك الشعبي باللحن الملتزم
بانسانية الانسان فترددت في الشوارع و الميادين الحان الثورة و ثورة لحن لا تنتهي.
حالة نفسية فريدة انعكست في اوساط الشباب و عدوى انتشرت لتصيب جيلا برهن انه قادر
على التغيير ، عدوى الابداع و الممكن في تصحر تثقافي نتيجة سنوات من الاستبداد.
فسافرنا الى مضامين تاريخية و سياسية و اجتماعية في بحث اركيولوجي ممزوج بجنون
ابداعي قادر على التاسيس قاعدته وتر و كلمة.
قد نضيف كلمة لمقولة لطالما رددها مختار اللغماني” العالم ارحب” لتصبح عالمنا
ارحب باغاني الشيخ امام ، هذا الفنان المصري الذي ، بكلمات الشاعر احمد فؤاد نجم،
كان يعي انتماءه لمجتمعه فرفض ان يكون مجرد شاهد تبرير او متفرج عادي و بسيط
بل تحول الى شاهد اثبات و ادانة، توجه للناس ، الى الجمهور في وعي متماهى بوعي قوى
التغيير في المجتمع، اقتصرت الحانه زمن الاستبداد على الساحات الطلابية و العمالية
و اجتماعات و حفلات احزاب اليسار ولكن بعد ما يسمى بالربيع العربي تمردت اغنيته
على جغرافيتها و سجنها و التحقت بالشوارع و بالفضاءات الثقافية التي ظلت محرومة
منها لعقود. و لعل “نادي الشيخ امام ” ب”دار الثقافة ابن رشيق” خير بشرى لعشاق هذا
الفن و هذا النسق الفني المقاوم باللحن و الكلمة.
“اتجمعوا العشاق في سجن القلعة… اتجمعوا العشاق في باب النصر” على طريقة هذه
الاغنية للشيخ امام يلتقي عشاقه مساء كل خميس يرددون الاغاني في عزف منفرد على الة
العود و على حناجر اصوات تحترم قوانين الموسيقى و تختزل ابداعا لا حدود تضبطه.
التقينا ب”عمر ابراهيم” ، عرفنا بنفسه كونه عضو مؤسس للمجموعة الفنية ” اهل الكهف”
و فنان ملتزم ومن اعضاء “نادي الشيخ امام” : ” كاي عاشق للفن الملتزم التحقت بهذا
النادي حبا في الشيخ امام ، و كذلك بحثا عن لحن و اغنية بديلة يخرجنا من متاهة
التعفن و الرداءة الفنية التي تلازمنا اينما حللنا.” و استرسل قائلا:
” لن يصلح حال البلاد و العباد بدون ثقافة هادفة و ملتزمة بقضايا الانسان ،
بدون تغيير ينطلق من واقع الانسان ، من ماساته، من مشاغله. الفن حالة نفسية و
لكنها ممتزجة بواقعها الاجتماعي و الثقافي و السياسي ، باحثة عن افق اجمل و افق
ارحب للانسان”.
لماذا الشيخ امام بالذات كانت اولى الاسئلة فاجاب:” البداية لن تكون دونه
، دون عازف العود الموهوب و الملتزم و سجين الرءي الذي تتقن اغانيه زنازين انظمة
الاستبداد، هناك مشروع مستقبلي لتلحين اغنية في ذكرى وفاته“. يكمل كلامه فيقول :
” ان الطريف في نادي الشيخ امام هو ان الجمهور ليس ذلك المتفرج المتلقي
البسيط. ليس مجرد اذن صاغية بل هو حنجرة تصدح باللحن الملتزم . الجمهور هو الكورال
و هو المجموعة الغنائية في حد ذاته، فالنادي قد كسر المفهوم الكلاسيكي : خشبة مسرح
وعازف ومغني و كراسي و جمهور مستمع ، و كتب عنوانا اخر في التمرد على مفهوم
المكان، فكل من يدخل النادي هو عضو في المجموعة ، الكل يغني ، الكل يعزف، انها
لوحة فنية تنير نسق التمرد و التعبير”.
انبلج الفجر الثوري ، الصورة حبلى بكل التوقعات ، ترنحت الاغنية الملتزمة بين
الملامسة الحقيقية للحدث بوجدانية لاتنتهي و بين اصرار على التوثيق و التاريخ و
بين الحاح على الابداع و التامل الفني. فيفاجؤنا السؤال المعهود : الفن الملتزم
عموما و الاغنية تحديدا ، هل هي عنوا فن الثورة او ثورة الفن”. التقينا بريم البنا
الفنانة الفلسطينية ابنة الناصرة ، التي نحتت بفنها الواقع الفلسطيني، و نقلت
وحشية الاحتلال فبات صوتها رصاصة ضد الصهيونية.
تقول ريم البنا:
” ان الفنان المهوس بفنه تؤثر فيه الاحداث التي تساير شعبه في معاناته او في
حركته مهما كانت. قد تنهي الابداعات حين تلامس حدثا معينا و حين تشترك في الحركة
الثورية فتكون تويثقية و كانها صورة او فلما. لقد لازم الحراك العربي بعض الاعمال
الفنية الراقية مثل عمل اهل الكهف الذي يمنحنا جدالا مؤسسا و تساؤلاصحيا لا
ينتهي”.
تعرج في حديثها عن الجانب الموسيقي فتقول :” رغم كثرة الاعمال الموسيقية
التي انبلجت من واقع المد الثوري الا ان من لامس وجداني و شد انتباهي اعمال نادرة
و قليلة“.
و تؤكد ريم البنا ان المبدع الحقيقي هو من ينطلق من واقعه الاجتماعي ، يشارك
في كل تمظهراته، يساهم في حركته ، نابعا منه كجزء لا يتجزء منه دون ان يسقط في فخ
المراقبة و المتابعة فقط. و تختم كلامها : “الفنان الملتزم ليس ذلك المساند لحركة
مجتمعه و انتفاضة شعبه ، لابد ان تصيبه حمى المشاركة و التفاعل و ممارسة الفعل
الثوري معه في صدق و تجانس و تماهي ليس له حدود“.
لن نغادر فلسطين دون الكتابة عن انبلاج نسيج عربي لازال يحبو و لكنه ولد و خير
دليل على ذلك مجموعة ” عود و كلمة” ، مجموعة شبابية تجمع بين فلسطينيين و تونسيين
، التقينا بها و صاحبنا اثنين من مؤسسيها وهم ” محمد ابولبن” و ” عماد لولو” ،
تحدثا عن تجربتهما :” نحن نشتغل عن الواقع كماهو و نحاول نقله للمتلقي مثل انقطاع
الكهرباء الدائم عن الاحياء الفلسطينية و تاثيرها على الناس وماتسببه من مشاكل
للام و للاب و للتلميذ و للرضيع، نحن ننقل هذا الواقع دون فلسفته لاننا نقدم عملا
فنيا فقط دون تصنيف كان نقول ملتزم او ماشابه لاننا نحن الواقع الذي تمارس عليه
قوى الاحتلال و البطش التعتيم”. و اصلت التساؤل عن العمل الفني فاخبراني :” غنينا
عن الالوان مثلا في اغنية تحمل عنوان ” ابيض و اسود” ، فالسياسة لها الوانها و
الاشهار له الوانه و الاحتلال له الوانه ونحن انبقى بلا لون ، هل مصيرنا ان نحمل
الوان الاخرين ، ان تكون ابيض او اسود ، الا يحق لك الاختيار.” لم تنته الاسئلة
الا حين امسك احدهم عوه و صدح الاخر بلحنه :” دندن وانت ماسك عود، دندن وانت…
الخ”.
سافرنا بعيدا عن العود و عن الوتر ، لنحط الرحال في فن خلفيته موسيقى صاخبة ،
صخب الشارع ، يعتمد جملا مسترسلة لا تنقطع، كلماتها من وحي اليومي و كل ماتنطقه
الالسن من عبارات دون تصنيف اخلاقي او ديني او سياسي و دون اي رقابة ذاتية ، فكل
مامن شءنه ان يساعد في تصوير بؤس الناس و بشاعة الواقع و ردود الفعل الغاضبة. قد
لا نحتاج الى تصفح تاريخ هذا الفن و البحث في ارشيفه ، المهم هو اكتشاف هذه
الظاهرة و ملامستها عن قرب. و بعيدا عن الساحة التونسية التي عرفت اضافة نوعية في
هذا المجال و التي تستوجب دراسة اعمق و اشمل.
سافرنا الى ميدان التحرير و تساءلنا ” الراب المصري … لماذا و الى اين”.
التقينا بمغن لازال في عمر الزهور ، ابتسامة تتيح تواتر الاسئلة و تمنح الشغف
للانحناء امام تجربة شبابية فنية قادرة على رسم متراس النضال الاجتماعي في محيط
ارقته و صايا الاستبداد . التقينا ب”كريم عادل”، ” اسءل ياعم … ما احنا تعودنا على
اسئلة التحقيق ” ، مقدمة تدفعك الى الصمت ، فقد استطرد قائلا :” تجربتنا اعمق و
اثرى من زمن الحراك الشعبي الاخير بمصر الذي كنا قد ساهمنا فيه بكل ما نملك ، فقد
تواجدنا منذ سنة 2005 ، بدايتنا كانت غير موفقة ، امضينا عقدا مع شركة انتاج و
لكننا لم ننتج شيئا فقد بقي الالبوم حبيس لرشيف الشركة حتى سنة 2009. لم نقم
بالانتاج و لكننا استمرينا بالغناء للناس في الشوارع و في الاحياء الشعبية.”
لم نتردد في ذكر الكلمة المفتاح للثورة المصرية” ميدان التحرير” فيجيب كريم :”
حاولوا اختطافي و قتلي ، نجوت باعجوبة و لكن الحمد لله اسقطنا الدكتاتور”، ثم يضيف
:” لم اغن للناس ، كنت اغني مع الناس ، و كنا نصرخ، كنا نعبر ، كنا نرفض ، كنا
نحتج، كلماتنا عناوين للمظاهرات و تعبير عن هم الناس ، معاناته ، اناته الرازخة
تحت حذاء الاجهزة الامنية لنظام حسني مبارك المستبد.”
واصلت السؤال عن تجربتهم الفنية ، اجابني :” تجربتنا الان ، ليس هناك الان ،
التجربة لازالت تحبو في خطواتها الاولى في واقع لم يتغير بعد ، تعددت مشاهده و
ملامحه لكنه مازال قائما كما الامس. فللظلم مفهوم واحد ، للحرية عنوان واحد ،
للرقابة تعريف واحد و للقمع تفسير واحد”، و يضيف :” من الناحية العملية ، تعددت
جولاتنا عبر العالم و لكن بعدما تخلصنا من عقد شركة الانتاج … لازلنا في مرحلة
التاسيس رغم تعدد اوجه المعاناة فاحيانا لانجد تذاكر للسفر و احيانا نمنع من السفر
و لكننا سنكمل المشوار”.
الاغنية الملتزمة مفهوم زئبقي ، عصي على الشرح و الفهم احيانا و لكن تمرده
لازال يطال كل شيء، فهو لم يولد ليكون تكرارا و اجترارا متواصلا لجزئيات مهترئة من
الحياة اليومية تقدس الانحناء و الانتماء و التوظيف. فن لم يرتبط بماهو رسمي لانه
لم يخلق كذلك ، لم يكن مربوطا الى رحم امه بحبل صرة و انما بحبل الرفض و التمرد و
في مفهوم اعمق و اشمل ” المقاومة الفنية” و ” الدفاع عن المجتمع “، الذي التقط
انفاسه اخيرا قبل ان تعبث به يد الاستبداد. انه لسان الدفاع عن المجتمعات ، انه نص
معلن يستنهض الهمم للنضال و للصمود،


16:44


0 commentaires:
Enregistrer un commentaire