طريقان مختلفان يشقان الثورة التونسية وإن كنت أقول ثورة بكل احتراز. طريقان متوازيان قد لا يلتقيان و قد يلتقيان فالأمور نسبية أحيانا. طريق ينبع من النخب فيه اعتقاد أن عليهم تنظيم الجماهير في إطار الاستعداد لتولي السلطة السياسيّة طريقا هيّأ نفسه سلفا لبدء ممارسة السلطة و طريق ثان لا يثق إلا بالحرية، ألا وهو طريق الشعب. كلا الطريقين يؤمن اشد الإيمان بالحلم بان له غدا أفضل و أن له وطنا سيرعاه كان قد أعدّ سلفا خطته محاولا فرضها ولم ينجح. و سيحاول فرضها مرة أخرى على لسان مفكرين متفوقين. وطريق ثان متحد من الأسفل إلى الأعلى على أرضية مصالحه الفعلية تنير طريقه بوصلة الحرية.
الأول نخب وأحزاب و الثاني هو الشعب. يرى طريق الشعب أن حيويتهم وعملهم و نضالهم أكثر طموحا من ذكاء الأحزاب و النخب السياسية التي بدلت السنوات الطوال في إسعاد الشعب و فشلت ولازالت تتجرأ على بسط آراءها و فرض جهودها كمعلمة أبدية للبشرية. حساسيات و تنظيمات تؤمن اشد الإيمان بان عليها دحض الخرافة و التأمّلات المهترئة وتنشد الحرية. لكن النقطة الفاصلة هي بين طريق أول يريد فرض الحرية بآليات صنعها هوو تسلح بها، و بين طريق ثان ينشد الحرية ويعمل على نشرها.
الشعب بإعلانه ثورة بلا رأس إنما هو يرى أن سبب مصائبه لا يكمن في شكل الحزب و شكل الحكومة أو طبيعة النظام بل بالذات في مفهوم وحقيقة الحكومة و الأحزاب من أي نوع كانت. إنّ أنشودة الصباح للطريق الثاني أي طريق الشعب، هي الحرية التي تنأى عن الحرية الشخصية والانانية الوهمية اللئيمة او الحرية الرسمية المرخصة من قبل الحكومات والاحزاب. انه شعب مل عبء الوصايا و عبء القيادة الى برنامج لم يساهم في صياغته الى هدف لم ينشده. انه شعب ملّ الرضوح لأحذية الجلادين وأفكار النخب الساكنة في مجرة لا مرئية تبعد عنه ملايين السنوات التنظيريّة. شعب لايتقن الجهل والأمّية واللّامبالاة . شعب درس و نجح و تمرّس فثار. الشعب في عفويته ينتظم ويتوحد رافضا كل تأثير فوقي وصائي. نعود إلى واقع ثورتنا التي نحترز على التسمية المسقطة ولكن نقولها للتمييز ، ثورة اعترف القاصي و الداني أنها بلا رأس وترفضه ، ثورة أسقطت رأس النظام و تجاهلت رئيسها بل لنقل ونفته وتجاوزته لأنه بكل بساطة عاشق متعصب للحرية في عفويتها وجرأتها التي ليس لها حدود و لا قيود بعيدا عن التأمّلات المخمورة و التنظيرات المهترئة، فواقع الرفض للقيادة الحزبية لا يعود كما يفسره البعض إلى الشعبالذي رزخ تحت الاستبداد ما يفوق خمسين سنة لانه لا يمتلك لا التقاليد ولا الثقافة ولا التربية الحزبية، و لكن لانه شعب يعلم انه بانتمائه والتزامه يسير الى دكتاتورية جديدة وسيد جديد.
نعود لنلقي نظرة على شعارات الحراك الاجتماعي في تونس، ننطلق من "التشغيل استحقاق يا عصابة السراق" الى "خبز وماء وبن علي لا" الى "الشعب يريد اسقاط النظام" الى كلمة "ارحل"، تم التلخيص و التقصير في الشعار، قصر حاسم ،واضح ، ثابت ، شجاع وثوري. ننتهي لنقول : ثورتنا التي لم تبدأ بعد، وان بدأت لازالت غير مؤمنة بضرورة ايجاد وسطاء بين الفكرة الثورية و غرائز هذا الشعب، فانها لازالت تحمل مقولة لو تعلقت همة المرء بماوراء العرش لناله.


02:02
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire